وكان الإمام (عليه السلام) يكثر وعظ المأمون اذا خلا به، ويخوفه بالله، ويقبّح ما يرتكبه به، فكان المأمون يظهر قبول ذلك منه، ويبطن كراهته واستثقاله[1].
ودخل عليه في أحد المرّات فرآه يتوضّأ، والغلام يصبّ على يده الماء، فقال (عليه السلام) : «لا تشرك بعبادة ربّك أحداً»، فصرف المأمون الغلام، وتولّى إتمام وضوئه بنفسه [2].
وقال له يوماً : «ما التقت فئتان قط إلاّ نصر الله أعظمهما عفواً»[3].
ودخل عليه المأمون وقرأ عليه كتاب فتح بعض قرى كابل، فلما فرغ، قال له الإمام (عليه السلام) : «وسرّك فتح قرية من قرى الشرك»، فقال المأمون : أوليس في ذلك سرور ؟ فقال الإمام (عليه السلام) : «... اتق الله في اُمة محمد (صلى الله عليه وآله)، وما ولاّك الله من هذا الأمر، وخصّك به، فإنك قد ضيعت أمور المسلمين، وفوضت ذلك الى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدت في هذه البلاد وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي، وان المهاجرين والانصار يظلمون دونك ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ولا يجد من يشكو اليه حاله، ولا يصل اليك، فاتق الله يا أمير المؤمنين في امور المسلمين وارجع الى بيت النبوة ومعدن المهاجرين والانصار ...».
قال المأمون : يا سيدي فما ترى ؟
قال (عليه السلام) : «ارى أن تخرج من هذه البلاد وتتحول الى موضع آبائك وأجدادك، وتنظر في اُمور المسلمين ولا تكلهم الى غيرك، فإن الله سائلك عمّا ولاّك».
فقال المأمون : نِعْمَ ما قلت يا سيدي ! هذا هو الرأي[4].
وقد وجد المأمون في هذه النصيحة أفضل المواقف السياسية التي كان لابد من اتخاذها، وبالفعل رجع الى بغداد بعد هذه النصيحة .

------------------------------------------------------------------
الهوامش:
[1] الارشاد : 2/269 .
[2] مجمع البيان : 6/771 وعنه في بحار الأنوار : 69 / 283 .
[3] تاريخ اليعقوبي : 453 .
[4] عيون أخبار الرضا : 2 / 159 ـ 160 .



تبيان العربي