فهم القرآن الکریم
المنتديات الثقافية المنتديات الثقافية Arabic Persian
التسجيل
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 14
  1. #1

    فهم القرآن الکریم




    الأساس النظري لفهم القرآن الكريم"(1)


    " نظرية الوحي: أبعادها وكيفياتها "

    مقدمة تمهيدية
    لماذا نبحث موضوع الوحي..وهل ثمة رابط بينه وبين بحثنا المتعلق بالأساس النظري لفهم القرآن؟ إن العديد من الكتب القرآنية التي اهتمت بالبحث في موضوع علوم القرآن، حين طرقت موضوع الوحي لم توجد الرابط بينه وبين بحث الكتاب الكلي ،كما أنها لم تشر إلى الفائدة المرجوة من بحثه..وإنما أتت به كموضوع مستقل، وربما يعود السبب إلى تصور الكاتب بأن الرابط راكز في ذهن القارئ ، أو لشيء آخر ..

  2. #2



    ونحن حين بحثنا هذا الموضوع رأينا من الضرورة الإشارة ولو بصورة موجزة إلى العلة من بحث هذا الموضوع، وماهي الفوائد التي يمكن أن نجنيها من بحثه..وكانت من بينها :
    1- لأن القرآن هو المصداق الأجلى من مصاديق الوحي … ولهذا فإن جميع ما سندرسه في القرآن هو في الحقيقة دراسة للوحي أو لمفردة من مفرداته .. كما إننا حين نلجأ إلى إثبات الوحي فإن ذلك بالتبع يعني إثبات القرآن الكريم . ثم إن دراسة موضوع الوحي سترشدنا إلى معرفة الطرق التفصيلية لنزول القرآن الكريم ووصوله إلى الرسول محمد عليه السلام..وكل ذلك مهم لأنه يقع في طريق التعامل الصحيح مع القرآن الكريم . وقد أشارت عديد من الآيات القرآنية إلى هذه الحقيقة رغم بديهيتها ، حيث جاء في سورة يوسف قوله تعالى ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) . و في صورة الشورى قال جل شأنه : ( وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ) . فلأن القرآن الكريم مفردة من مفردات الوحي لا بد من بحثه بصورة مفصلة، (ولا يخفى أن هذه الإشكالية تتعلق بمن يؤمن بأصل الوحي,لكنه يشكك في كون القرآن وحياً،كالمستشرقين المتدينين ).
    2_ لتحديد الطريقة السليمة للتعامل مع القرآن الكريم ،حيث أن تشخيصنا للموقف الصحيح من الوحي له أثر في طريقة تعاملنا مع القرآن وفي كيفية عودتنا له ... ولهذا فإن من سعى لتهميش القرآن كان سبيله إلى ذلك تقزيم الوحي والتقليل من فاعليته في إدارة الحياة .
    فقد كان هناك تيار منذ العصر الأول لتكوّن المجتمع الإسلامي يدعو إلى تسويد العقل والتمرد على المتمسكين بالنقل وهو الوحي في اصطلاحنا ، وقد أشار الجابري إلى مهمة هذا التيار قائلاً :- ( بما أنه لم يكن من الممكن قط رفض الدين بكيفية جذرية نظراً لتوازن القوى بين التيارين ، خصوصاً والمجتمع الجديد تم توحيده وبناؤه بفضل الدين وعلى أساسه،فإن الحل الوحيد الذي كانت تقبل به الظروف والمعطيات النوعية الخاصة بالمجتمع الإسلامي آنذاك هو تأويله_أي الدين _بالشكل الذي يخدم التقدم ويحقق سيطرة العقل ) . وبناءً على ذلك صاغ الفارابي أطروحته فيما يتعلق بالمدينة الفاضلة وهي مشروع الدولة التي يؤمن بها ،حيث سعى الفارابي _كما يقول الجابري _إلى:"إعطاء هذه الدولة إيديولوجيتها بشكل يساوي التطور الفكري و الاجتماعي ، ويفسح المجال لبناء دولة العقل حتى لو تطلب ذلك إدخال تعديلات أساسيه علىالشريعة الإسلامية، وهذا شئ مشروع من وجهة نظر الدين نفسه ، فلقد غير عيسى شريعة موسى ، وصحح محمد (ص) ما تبقى من شريعة عيسى.وبما أن النبوة قد انتهت وختمت فإن مهمة التعديل والتغيير أصبحت موكلة إلى الرؤساء الثواني من بعد النبي . ولا يمكن أن يقدم هؤلاء الرؤساء بهذه المهمة بالشكل الذي يتطلبه العصر ويساير تطلعات القوى الصاعدة النامية إلا إذا كانوا فلاسفة أو كان بينهم فيلسوف، فهو وحده الذي يستطيع أن يبني دولة بعد أن ضاقت دولة الدين بنفسها بفعل تطوراتها الداخلية فكرياً وسياسياً واجتماعياً ) . ولهذا فإن بعض دعاة هذا الرأي يعتقدون بأن الفيلسوف هو أشبه شيء بالنبي حيث انه يلهم الأفكار والتصورات من جراء الاستغراق في التفكير والتركيز على العمل العقلي ، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى التنكر لبعض القضايا الدينية واستحداث أمور تناقض الدين تماماً . فهو على سبيل المثال قاد المعري لإنكار الجن والملائكة والبعث الجسماني رغم الإثبات الصريح لهذه الحقائق في القرآن ، وواصل الفارابي القول بأن النبوة حالة انسانية تفرضها الظروف والتحولات البشرية وليست حالة إلهية، مع أن القرآن الكريم صرح بخلاف ذلك تماماً حيث قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ) . إن كل ذلك يعني تهميش –إن لم نقل تجاوز – الوحي واقامة العقل بديلاً عنه،الأمر الذي ينعكس على القرآن ، إذ أن من يرى هذا الرأي لا يعد القرآن مصدراً أساسياً للفكر في مقابل العقل، فالعقل هو الحاكم وأما القرآن فيمكن التعاطي معه من زاوية التأويل فقط . هذا ما دعى إلية بعض أنصار العقل في القديم و حتى في العصور الحديثة، إلا أن ما ميز بعض الحداثيين في هذا العصر هو أنهم نظروا إلى القرآن على أنه ضرب من ضروب التراث و ادعوا نفي الثوابت فيه حيث قالوا بأن لا ثابت في الأفكار وإنما كلها متحولة، وعليه فالعقل هو المسؤول الأول عن إبداع الأفكار والتي تتواءم والواقع المعاش . أن دراستنا لموضوع الوحي وتحديد موقفنا منه والتأكيد على فاعليته ، توجه تعاملنا مع القرآن الكريم وتحدد طريقة تعاطينا معه . ( وهذه الإشكالية تتعلق بمن يؤمن بالوحي ويؤمن أيضا بأن القرآن وحي ، ولكنه يقلل من صلاحية الوحي وبالتالي يقلل من سيطرة القرآن ) .
    التعديل الأخير تم بواسطة quranic ; 03-11-2010 الساعة 10:25 AM

  3. #3



    3 ـ إن الفهم الصحيح للقرآن مبتن على تحديد تصور دقيق لموضوع الوحي بعد الرسول الأكرم (r) .. ونعني بذلك ما يصدر من الأئمة(عليهم السلام) من أقوال وأفعال وتقريرات، فهي معبرة عن الوحي والحقيقة الدينية القطيعة ، وبالتالي فإن التعامل مع القرآن من خلالهم سيمكننا من فهمه بصورة صحيحة ، فالأئمة (ع) القادرون على إيضاح القرآن للناس وتأويل آياته تأويلا قطعيا استنادا لعدة أمور من بينها ما يصلهم من وحي عن طريق الرسول (ص) بل وحتى عن طريق الإلهام وسيتم بحث ذلك لاحقا حسب ما ثبت في الروايات الصحيحة الصادرة عنهم (ع ). فأقوال الأئمة (ع) وتأويلاتهم تجلٍ من تجليات الوحي، ومن خلالهم يمكن فهم القرآن وتطبيق آياته على الواقع ،ولهذا فإننا نعتقد بأن ابتعاد المسلمين عن أهل البيت أوقعهم في مطب كبير خسروا بسببه فهم القرآن ،لأن أهل البيت (ع)هم تراجم الوحي حسبما أكد على ذلك الأمام الهادي(ع) في الزيارة الجامعة حين قال واصفا الأئمة (ع)المطيعون لله القوامون بأمره ………… اصطفاكم بعلمه وارتضاكم لغيبه…… ورضيكم خلفاء في أرضه…… وخزنة لعلمه ومستودعا لحكمته وتراجمة لوحيه ) . كما أنهم (ع)الراسخون في العلم الذين أكد عليهم القرآن،فقد قال تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم …. ) . فمن لديه القدرة الحقيقية على فهم القرآن وتأويله وإيضاح غوامضه.بمستوى العلم القطعي هم الراسخون في العلم المتمثلون في أهل البيت (ع) استنادا إلى عديد من الروايات …من بينها ما ورد في الكافي عن أبي عبدالله الصادق (ع): (نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله ) . وما ورد عنه أيضا(ع): (والراسخون في العلم هم آل محمد ) . هذا هو شأن آل البيت (ع)فهم القرآن الناطق ،ولهذا فإن أمير المؤمنين (ع) يشير للآخرين بالعجز ويثبت قدرته على إنطاق الآيات القرآنيه فقد قال (ع)ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أَُخِبركُم عنه ) . بناء على ذلك لابد من بحث موضوع الوحي خاصة بعد الرسول (ص)،لأن تحديد الموقف من الوحي بعده (ص) له أثر كبير في فهم القرآن الكريم . (وهذه الإشكالية تتعلق بمن يؤمن بالوحي وأن القرآن وحي أيضا ويؤمن بضرورة الالتزام بكل مافيه، ولكن لا يلتزم بأثر الوحي بعد الرسول (ص)المتمثل في أهل الببيت(ع ))
    التعديل الأخير تم بواسطة quranic ; 03-11-2010 الساعة 10:26 AM

  4. #4

    " تحرير لمفهوم الوحي "




    " تحرير لمفهوم الوحي "

    قبل الاسترسال في البحث حول حقيقة الوحي وكيفياتة وما يتعلق به من إثارات وتأويلات في الأوساط الدينية وغيرها، لابد من إيضاح المعاني اللغوية والاصطلاحية لهذه الكلمة (الوحي )، مع التأكيد على المعنى الشرعي الذي سيلقي بظلاله على كل البحث .. التعريف اللغوي : جاءت كلمة (الوحي ) في لسان العرب من فعل (وحى) ، وهو أصل يعني الإعلام الخفي و يدل على إلقاء علم في الخفاء بطرق شتى سواء كانت إيماءة أو همسة أو كتابة في سر ..بل انه يشمل كل ما ألقاه إنسان إلى غيره حتى علمه فهو وحي كيف كان ، على رأي البعض . وقد قيده البعض بالسرعة فقال :- ( الوحي : إعلام سريع خفي) ..وقال الراغب في كتاب المفردات :أصل الوحي :الإشارة السريعة ، قيل أمر وحي أي سريع ) . ودعم هذا الرأي محمد هادي معرفة في كتاب (التمهيد في علوم القرآن) حيث قال :-(ولعل الخفاء في مفهوم الوحي جاء من قبل اعتبار السرعة فيه،فالإيماءة السريعة تخفى –طبعاً-على غير المومى إليه . يقال :موت وحي أي سريع .ومنه (الوحا الوحا )أي البدار البدار ،يقال ذلك عند الاستعجال.ومنه الحديث :-( إن كانت خيراً فتوحه ) أي أسرع إليه ..) . بينما اكتفى البعض بالتأكيد على عامل الخفاء وأهمل قيد السرعة.. وذلك ما جاء منقولاً عن أبي اسحق قوله:-(أصل الوحي في اللغة كلها:إعلام في خفاء ) وما جاء أيضاً في لسان العرب لابن منظور قال:قال أبن بري:وحى إليه و أوحى :كلّمه بكلام يخفيه من غيره ) وأيد ذلك ابن فارس في قوله:-(و،ح،ي،أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء أو غيره..) . والشيخ الطوسي في مجمع البيان حين قال في تفسير قوله تعالى:بأن ربك أوحى لها):يقال أوحى له وإليه أي ألقى إليه من جهة تخفى ) . و غير هذا فقد أدعى البعض عدم قيديّة الخفاء في تفسير معنى الوحي..ومن ذلك ما جاء في تعريف ابن فارس حيث قال:و،ح،ي،أصل يدل على إلقاء علم في الخفاء أو غيره،و الوحي :الإشارة،و الوحي:الكتابة والرسالة،وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان ). ولعل تجاوز بعض القيود الداخلة في تعريف الوحي مرده إلى الفرق الناشئ بسبب الوضع اللغوي الأساسي و الاستعمالات التي يؤثر فيها عامل الزمان و المكان .. ولهذا فربما يكون أساس الوضع جاء بالمعنى المطلق وهو إلقاء العلم في الخفاء وفي غيره،إلا أنه في الاستعمال قيد تارة بالخفاء وتارة بالسرعة .

  5. #5

    التعريفات الاصطلاحية :




    التعريفات الاصطلاحية :
    ما يهمنا الإشارة إليه هنا هو ما يتصل بالوحي الإلهي وليس مطلق الوحي كوحي الإنسان إلى غيره..والوحي الإلهي يشمل جانبي التكوين والتشريع،فكما يصدق الوحي في التشريع فإنه ينسحب أيضاً إلى الطبائع التكوينية للمخلوقات على ما سيبين لاحقاً ..ولهذا جاء تقسيمنا للوحي،فقد نظرنا إليه من زاويتين الأولى الوحي الإلهي المطلق بشتى طرقه ومعانيه، والثانية الوحي التشريعي الذي يتصل بالرسالات وإمتداداتها فقط . وإنما قسمنا الوحي الإلهي إلى تكويني وتشريعي للوقوف على رأس الإشكال عند من شذوا في تعريف الوحي وفي كيفية التعامل معه..إذ أن أحد أهم الأسباب التي أوقعتهم في الإشكال هي الخلط بين الوحي التكويني والتشريعي،فاعتقد بعضهم بأن كل خصوصيات التكويني تنطبق على التشريعي ولهذا أعطوا أنفسهم حقاً لا يستحقونه في إبداع الأفكار وفي تجاوز الوحي .

  6. #6



    ولتقريب الصور نقول
    بأن النسبة بين الوحي الإلهي والوحي التشريعي أحد أربع : الأولى: (التساوي ) بأن يكون الوحي الإلهي بما فيه التكويني هو ذاته التشريعي ..ولعل مبنى الفارابي مرده إلى هذا الأمر،حيث اعتبر إلهامه مساوٍ للوحي الواصل إلى الرسول (ع )… ونحن نجزم بعدم التساوي،لأن أكبر دليل على الإمكان هو الوقوع ،حيث إننا لم نلاحظ تمييزأ في الإلهي التكويني فقد حصل للحيوان والجماد والإنسان ،أما التشريعي فلم يحدث إلا لبعض الخواص من البشر ..وهذا كاف في القول بعدم التساوي ،ولعل الفرز بينهما في ألسنة العلماء مؤيد للمفارقة . الثانية:التباين) بأن يكون الإلهي غير التشريعي تماماً ..وهذا باطل عند الجميع إذ أن الكل قال بالالتقاء بينهما ،إلا أنهم اختلفوا في كيفيته . الثالث:العموم والخصوص من وجه،بأن يلتقيا ويفترقا..ولعل مذهب أركون يستند في بعض مبادئه إلى هذه النسبة..ونحن نرفضها..وذلك لأنها تقول بأن التشريعي يمكن أن يستقل في بعض الأحيان ويخرج عن دائرة الوحي الإلهي ،فيمكن أن يكون تشريع غير إلهي،أي تشريع من وحي العقل المجرد . .( الرابع : العموم والخصوص مطلقاً)..فكل تشريعي إلهي ولكن ليس كل إلهي تشريعي .. أي أن هناك خصوصيات للتشريعي_مع انه ألهي_،وهناك مفارقات في الإلهي لا تنطبق ولا تنسحب إلى التشريعي . وهذا ما نتبناه،ولذا ينبغي أن ننظر ونتأمل في الخصوصيات التي لا تنطبق على التشريعي،حتى نميز التشريعي عن غيره ..
    التعديل الأخير تم بواسطة quranic ; 03-11-2010 الساعة 10:53 AM

  7. #7



    وهذا هو المبنى التأسيسي الأولي الذي نستند إليه في تعريف الوحي وتحديد مفهومه . 1_ الوحي الإلهي : ( هو إفهام الله سبحانه وتعالى وإلهامه من يشاء من خلقه إرشاداته و أوامره ونواهيه بصوره خفية ) ولهذا المعنى مصاديق عديدة من القرآن الكريم،ننتخب منها مجموعة للاستشهاد والإيضاح فقط .. أ-ما جاء على نحو البناء التكويني للمخلوقات..وذلك بأن يودع الباري جل وعلا مجموعة من التعليمات والأوامر في مخلوقاته حتى لا يمكن لتلك المخلوقات أن تتحرك وتستجيب للحياة إلا باتباعها..ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون،ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس أن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) فكل المسيرة الحياتية لهذا الحيوان الصغير وهو النحل وطبيعته التكوينية التي غرست فيه عبرت عنها الآيات بالوحي..وقد جاء هذا الوحي بصيغة الأمر رغم أنه طبيعة تكوينية لا يمكن للنحل الخروج من دائرتها،وذلك يفهم من قوله تعالى:أن اتخذي ...) ويشابه هذا الوحي ما جاء في آية أخرى من سورة فصلت حيث قال تعالى:فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ) فكل الوظائف التي أودعها الله جل وعلا في السماوات ونوعية الأدوار التي تؤديها أطلق عليها القرآن الكريم وحياً .. وكذلك الأعمال التي تقوم بها الأرض يوم القيامة حين تخبر بما عمل عليها بطلب من الله اعتبرها القرآن وحياً كما جاء في سورة الزلزلة حيث قال تعالى :-(يومئذٍ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ) بناءً على ذلك فإن جميع الأمور التكوينية التي ثبتها الباري جل شأنه في الكون سواء على صعيد الحيوانات أو حتى الجمادات كما هو شأن السماوات والأرض،جميعها عدها القرآن نوعاً من أنواع الوحي الإلهي.(وهذا النوع جبري وليس اختيارياً ). ب- ما جاء على نحو الإلهام الباطني .. وذلك بأن يوصل الله سبحانه وتعالى بعض التوجيهات حتى تنقدح في عقل الإنسان فجأة ومن حيث لا يشعر،ويكون فيها تجاوز لمشكلة أو حل لموضوع عصيب أو إضاءة لأفق من الآفاق للإنسان وما شابه..فهذه الحالة يطلق عليها القرآن وحياً..كما بُيّن ذلك في عديد من الآيات . { وبهذه الصورة يمكن أن يُنقض على من يقول بالتفويض المطلق،وهو المبدأ الذي يقول بأن الله خلق الكون على ضوء سنن ثم تركه..وذلك إذا كان قد تركه فكيف يُلهَم الإنسان ويُفهّم بصورة مستمرة،لاشك أن الإلهام دليل على أن الله سبحانه لم يترك الكون..إلخ . كما يمكن أن ينقض على القائلين بأن الله لا يعلم بالجزئيات،إذ التدخل الإلهي في أمور تفصيلية وجزئية عبر الإلهام دليل على إحاطته بها لا مجرد الكليات .}

  8. #8



    فقد قال تعالى في قصة أم موسى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) وفي سورة طه قال تعالى : ( إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى،أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ...) فأم موسى هنا لم ينزل عليها وحي مباشر ،وانما حين تأزمت عليها الحياة ألهمت طريقة يكون فيها تجاوز لأزمتها، وهذا الإلهام أتى بطريقة لا شعورية ولا مرئية،وكل ما في الأمر أن فكرة ما انقدحت في ذهنها جراء الاستغراق في التفكير و التأثر بالمشكلة..وهذا نوع من أنواع الوحي التي أشار إليها القرآن الكريم . وقد أيد هذا المعنى في تفسير الآيتين في سورتي القصص وطه كل من الطبرسي في مجمع البيان و الطباطبائي في الميزان .. فقال الطبرسي في الأولى:أي ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس عن وحي نبوة..عن قتاده وغيرة) ..وأم الطباطبائي فقال:و المعنى:وقلنا بنوع من الإلهام لأم موسى لما وضعته أرضعيه …..) وفي الآية الثانية قال الطبرسي : ( أي ألهمناها ما يلهم) ..وأما الطباطبائي فقال :المراد به الإلهام وهو نوع القذف في القلب في يقضة أو نوم ) مع أن هناك من قال بخلاف هذا الرأي،حيث قال مقاتل:أتاها جبرائيل بذلك ..وقال الجبائي:كان هذا الوحي رؤيا منام عبّر عنها من يثق به من علماء بني إسرائيل) .ألا أن هذه الآراء غير مدعومة بنصوص واضحة . ثم أن هذا الوحي ليس وحي نبوة كما أشار الطوسي لذلك قائلاً:وليس عن وحي النبوة .. وكذلك الطباطبائي:وأما وحي النبوة فالنساء لا يتنبأن ولا يوحى إليهن بذلك قال الله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ) . ومن قبيله ما جاء في سورة المائدة حيث قال تعالى :وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) . فالباري جل وعلا ألهم الحواريين إلهاماً كيما يصدقوا بنبي الله عيسى (ع)..وتؤيد هذا الزعم الرواية التي أوردها العياشي في تفسيره عن محمد بن يوسف الصنعاني عن أبيه قال :سألت أبا جعفر (ع)(إذ أوحيت إلى الحواريين)قال: الهموا . وهذا النوع اختياري في الإستجابة ولكنه لاشعوري في الإستقبال .

  9. #9



    ج_ما جاء على سبيل الوحي الإلهي إلى ملائكته لتدبير شؤون الكون.. حيث دلت الآيات القرآنية والروايات الصريحة على أن الله جل وعلا وكّل عددا ًمن الملائكة المكرمين ليدبروا شؤون هذا الكون العظيم ويحسنوا إدارته … فقد ورد عن الإمام الباقر (ع) في تفسير قوله تعالى : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) : بأمر الله من أن يقع في ركىّ ،أو يقع عليه حائط ،أو يصيبه شيء حتى إذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه يدفعونه إلى المقادير ،وهما ملكان يحفظانه بالليل،وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبان ) . فالمحافظة على الإنسان من الأخطار ومن ثم دفعه إلى المقادير ليحل به ما يحل بغيره من بني البشر كالموت والمصاعب،هو مصداق من مصاديق التدبير لهذا الكون .. وقد أشارت آيات أخرى إلى هذه الحقيقة بصورة واضحة فقد قال تعالى:ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون) ، وقوله تعالى شأنه : وإن عليكم لحافظين ،كراما كاتبين ،يعلمون ما تفعلون ) . وهذه الآيات ركزت على تدبير شؤون الإنسان،بينما تجاوزت آيات أخرى هذه الدائرة إلى ما هو أوسع منها وهو تدبير شؤون الكون ،كما جاء في سورة النازعات قوله تعالى : (فالمدبرات أمرا ) ..حيث أخرج ابن حاتم عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن ابن الكوّا سأله عن (المدبرات أمرا)قال:الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره . وهذه الأوامر الإلهية تشمل رعاية الإنسان أيضاً وبهذا ورد عن أمير المؤمنين(ع) في الدر المنثور نقلاً عن سعيد بن منصور وابن المنذر فقد قال تعالى : (فالمدبرات أمرا )هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة .

  10. #10



    ونقل عن عبد الرحمن بن باسط :أن المراد بذلك جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام يدبرون أمور الدنيا ،فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود ،وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات ،وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح،وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم . فالله جل وعلا وكّل الملائكة لتدبير شؤون الكون لا لعجز فيه و إنما لغايات أرادها جل شأنه فسّرها الصادق عليه السلام في جوابه على سؤال زنديق 00فقد سأل الزنديق الإمام الصادق قائلاً: ما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم والله عالم السر وأخص ؟ قال عليه السلام:استعبدهم بذلك وجعلهم شهوداً على خلقه ،ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، أو عن معصيته أشد إنقباضاً ،وكم من عبد يهم بمعصيته فذكر مكانها فارعوى وكف،فيقول ربي يراني وحفظتي عليّ بذلك تشهد،وأن الله برأفته ولطفه أيضاً وكّلهم بعباده يذبّون عنهم مردة الشياطين وهوام الأرض ،وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله ،إلى أن يجئ أمر الله عز وجل ) . إن ما نريده من ذكر هذه المقدمة التأكيد على أن هذه الأوامر التي يقوم الملائكة بتنفيذها تصل إليهم عن طريق الوحي .. وذلك بالاستفادة من آية أخرى وليس من الآيات السابقة الذكر ..حيث أنها أشارت بأجمعها إلى أن الله سبحانه وتعالى يوجّه الأوامر إلى الملائكة ولكنها لم تبين طريقة التوجيه ،بينما وردت آية أخرى في سورة الأنفال بيّنت هذا الأمر ،فقد قال : إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا ….) . فالله جل وعلا يوحي إلى الملائكة أمراً ما ليقوموا بتنفيذه ،فتدبير شؤون الكون أمر إلهي أوحى به إلى الملائكة ..وهذا الأمر لا علاقة له بما يوحى إليهم من أمور التشريع المتعلق بالأنبياء والرسل . فخلاصة الكلام في هذا القسم أن الله سبحانه يدبّر شؤون الكون بما فيها الإنسان عبر ملائكته ..

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 01-10-2012, 09:38 PM
  2. مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 27-02-2011, 04:35 PM
  3. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 27-02-2011, 04:14 PM
  4. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19-09-2010, 12:41 PM
  5. مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 18-09-2010, 05:00 PM

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •