الماتريالية في إيران
المنتديات الثقافية المنتديات الثقافية Arabic Persian
التسجيل
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1

    تاريخ التسجيل : Apr 2016
    آلبوم الصور
    0   تعلیقات : 0
    المشاركات : 12    شكراً : 36
    شكره 13 مرة في 11 مشاركة
    تنزيلات : 0      تحميل : 0
    94213821221 غير متواجد حالياً

    Post الماتريالية في إيران




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الماتريالية في إيران
    بقلم الشهيد مرتضى المطهري


    المقالة التي كانت سببا في سفك دمه الطاهر ظلماً وعدواناً في حين يخاطب الشهيد مطهري قاتلية بـ (أعزتي).

    النص:

    ... خلال العامين الأخيرين عمدت الماتريالية في إيران إلى خدعة جديدة هي أخطر من تحريف الشخصيات والرموز [يشير الشهيد إلى تحريفهم لبعض الشخصيات ومصادرتها لمصلحة النزعة المادية] وهو تحريف آيات القرآن الكريم وتفسيرها تفسيراً مادياً دون المساس بظاهر ألفاظها. هذه هي خدعة جديدة ظهرت دون عامين في إيران.
    طبعاً إن الفكرة ليست بجديدة في أصلها بل هي ما طرحه كارل ماركس قبل مئة عام بهدف اجتثاث العقيدة الدينية من أذهان الشعوب المتديّنة؛ إذ كان مشروعه يدعو إلى توظيف الدين ضد الدين نفسه بأن تُفرَّغ مفاهيمه من مضمونها الأصلي والمعنوي وتُقحم فيها المفاهيم المادية ليفهم الشعبُ دينه فهماً مادياً. فلو تمّ ذلك سيكون من اليسير إزالة القشرة الظاهرية للمفاهيم الدينية. في كتاب «ماركس والماركسية» ينقل المؤلف عما كتبه لينين تحت عنوان (موقف الطبقة العاملة تجاه الدين) قوله:
    «إن مدرسة ماركس هي المدرسة المادية؛ فهي من هذه الجهة تعارض الدين بقدر ما تعارضه المادية الانسيكلوبيديا أو مادية فيورباخ.. لكن المادية الجدلية - قياساً بالانسيكلوبيديا أو فيورباخ - تذهب إلى أبعد من ذلك في توظيفها للفلسفة في التاريخ والعلوم الاجتماعية حيث تدعو إلى الإطاحة بالدين وإزالته. هذه هي أبجدية كل نزعة مادية ولذلك فهي أبجدية ماركس كذلك.. لكن ماركس يذهب إلى أبعد من ذلك متسائلاً: كيف يمكننا أن نحارب الدين؟ فيجيب بأن علينا أن نفسر الدين ومصادره بمفاهيم مادية».
    إن هذا التعبير لماركس قد يشمل مفهوماً آخر أيضا وهو تفسير التاريخ بأسره تفسيراً مادياً فيدعو لتبيين المنطلق المادي لنزعات الإنسان بما فيها النزعة الدينية ليعلم الشعب أن العقيدة الدينية أساسها هي الطبقية وأنها قد فرضت عليه فرضاً. فإذا عرف الشعب أن لجميع الظواهر الاجتماعية جذوراً مادية طبقية فعندها سيقوم بقطع علاقته مع الدين.
    ما حظيت بها الماتريالية الحديثة من مكانة في إيران لا تبلغ نصف قرن وهي في بداية ظهورها لم تكن تتوقع أن يواجهها الإلهيون بهذا المستوى من المنطق وكذا لم تكن تعرف مدى تجذّر الدين والعقيدة الدينية لدى كافة شرائح المجتمع وبخاصة عامة الناس. فكانت تظن أنها تتمكن من القضاء على منافسها وطرده من الساحة إن في صعيد المنطق والاحتجاج وإن في الصعيد الاجتماعي. لكن أخطأت في حساباتها فلم تحقق نجاحاً لا عن طريق المنطق والاستدلال ولا عن طريق الوعي الطبقي لدى الشعوب على حد تعبيرها، بل وجدت أن أقوى وأشدّ قوة يمتلكها عامة الناس ولا سيما الطبقة المحرومة المضطهدة هي قوة الدين؛ فراحت تفكر في استغلال قوة الدين ضد الدين نفسه.
    إن مطالعة الكتابات التي يعبر عنها بالكتابات التفسيرية التي قد نشرت ولا تزال تنشر خلال العامين الأخيرين لا يترك مجالا للشك بأن هناك مؤامرة كبيرة.
    إن كون هذه المؤامرة موجهة من قبل أعداء الدين للقضاء على الدين مما لا أشك فيه، إنما أشك في أن أصحاب هذه الكراسات هل هم خدعوا أيضاً فلا يعي ولا ينتبه أحدهم ماذا يفعل وأن الأيادي الخفية هي التي تعلم دون غيرها؟ أم أن هؤلاء يقومون عن علم وعمد بهذه التفسيرات الماتريالية التي تمسّ كرامة الكتاب الذي يقدسه سبعمئة مليون مسلم في العالم؟
    نظراً لوجود ملامح من الفقر العلمي وسطحية التفكير في كثير من هذه الكتابات – سنشير إلى بعض منها – نفضل أن نطلق على الماتريالية التي يتم الترويج لها عن طريق تفسير القرآن في العامين الأخيرين بالماتريالية المغفّلة، فإن هم استمرّوا في نهجهم المنحرف بعد هذه التنبيهات التي نذكر بها فعندها نضطر إلى تسمية هذه الماتريالية بالماتريالية المنافقة.
    إنني أدعو كافة العلماء والباحثين الأجلاء أصحاب النوايا الطيبة أن ينظروا فيما أقوله هنا نظرة دقيقة محايدة فإذا رأوني مخطئاً في ذلك فلينبهوني ويبرهنوا لي موطن الخطأ وأُشهد الله على نفسي أنني مستعدّ لأعترف بالخطأ بكل صراحة.
    وإني ملتفت إلى أن التدبر في القرآن الكريم هو حق لكل مسلم وليس حكراً على فرد أو فئة معينة، كما أنني ملتفت إلى أن الرؤى التفسيرية مهما كانت محايدة فلن تكون موحّدة فكلٌ يتبنى رؤية معينة ومن حقّه أن يتدبر في آيات كتاب الله العزيز إن توفر لديه الإلمام بمفاهيم المفردات القرآنية وأساليب اللغة العربية بنحو عام والأسلوب القرآني بنحو خاص ونظر في شأن نزول الآيات وتاريخ صدر الإسلام وبملاحظة ما ورد من الأئمة الأطهار (ع) من التفسير القطعي للآيات وكذلك بالنظر إلى تطور العلوم، فيتدبر في آيات الله تعالى ثم ينظر إلى ما توصل إليه واعتقده بينه وبين الله فيقدّمه إلى الآخرين تحت عنوان التفسير لكتاب الله او أي عنوان آخر.
    لكن نعرف أن على مدى التاريخ قدّم بعض الباطنية وغيرهم تفسيرات من الآيات لا مجال لعدّها تفسيرا وفهماً بل هي مسخ وتحريف.
    وهنا أفضّل أن أوجّه خطابي لنفس الكاتب أو الكتّاب الذين افترض أنهم لا يزالون مخدوعين ولم يقصدوا خيانة، فأقول:
    أعزتي إنكم قد تحدّثتم في مقدمة تفسيركم عن وضع التفاسير والمفسرين المتقدمين فذكرتم ما لا يصلح ذكره إلا في الخطابة وعلى المنابر حيث لا يطالِب الجمهورُ الخطيبَ بدليل على ما يتفوه به ويقوله.
    فأين ومتى كان وضع التفسير والمفسّر على ما ذكرتموه؟ وهل يُقرأ التاريخ بالتعامي عن الحقيقة وإطلاق الكلمات الخطابية العاطفية؟ فلو عرضنا عليكم آلاف المفسرين المعروفين وغير المعروفين الذين عاشوا في مختلف حقب التاريخ هل يمكنكم تفسير آراءهم على ضوء معياركم الطبقي؟ لا أريد أن أسهب في النقاش معكم حول هذا الموضوع فقد يطول كثيراً.
    لقد ذكرتم في تفسيركم أن المعيار في تفسير أي مؤلَّف لأيٍّ كان إنما يتيسر عن طريق معرفة رغباته وأسلوب تفكيره، ثم قلتم إننا قد توصلنا - لأول مرة - إلى رغبة الله وأسلوب تفكيره.
    «فالإرادة الإلهية هي إرادة ثورية وأسلوب تفكيره يقوم على أساس أن الشعوب المستضعفة والمحرومة في التاريخ تتغلب على المستكبرين وذوي الجاه والمال والقوة. ولتحقيق تلك الإرادة قام الله بتكوين حزب يضم كافة القوى المتكاملة في العالم واضعاً إياها بجنب الشريحة الثورية القيادية، وفي المقابل يقف الطواغيت والشياطين وأصحاب القوة في وجه تلك الإرادة الإلهية ويمنعون تحقيقها. ولا يتأتى النظر في القرآن واستجلاء حقائقه إلا برؤية ثورية تقوم على أساس تفكير الله وآيديولوجيته».
    فالقرآن في رأيكم ليس سوى الفلسفة المدوّنة لحزب الله، الفلسفة التي تهدف إلى شيء واحد وهو نصرة المحرومين على أصحاب القوّة. وكل ما طرحه القرآن يدور حول الثورة وفلسفة الثورة، وأن الله قد شكل حزباً وأن حزبه يضم كافة القوى العالمية المتكاملة من مختلف العقائد والمذاهب وأن الله أراد أن يكوّن حزباً ويدوّن فلسفة ثورية لحزبه وقد قام به فعلاً.
    فحتى تفهم فلسفة الثورة يكفيك أن تكون ثورياً دون أي شرط آخر، كما أنك لو لم تكن ثورياً فلا يجدي تحقق أي شرط آخر. لذلك فعندما أردتم الإساءة إلى المفسر الكبير المعاصر [يعني به العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب الميزان] الذي لا ذنب له سوى تأليفه لكتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» ونقده للمادية الجدلية، قلتم: «إن مفسر القرآن في النظام الاستعماري يجب أن يكون جبلاً من العلم والفلسفة والمنطق والحكمة والكلام والفقه والأصول والصرف والنحو ... بحيث تثقل کاهله تلک العلوم الجمة فتخرج به من بين الأفراد إلى الفردية والعزلة لأن مفاد الآية الكريمة هو أنه كل من ثقل وزنه كان هو الفائز ...»
    لا شك أن محاربة الطاغوت هو جزء من المشروع القرآني ولا ريب أن الإسلام هو دين ثوري، ولكن هل كل ما جاء في القرآن يدخل في هذا السياق ويهدف إلى هذا المعنى وأنه ليس للقرآن برنامج آخر؟ وهل يجب تطبيق كل ما ورد في القرآن والروايات من اللوح والعرش والملك والقيامة والصلاة والصوم وفق هذا المعنى؟ إن ثورة القرآن وحزب الله أهي ثورة «بطن» قائمة على جذور اقتصادية وطبقية أم أنها ثورة «فكر» متجذرة في الفطرة الإنسانية؟
    ثم ذكرتم أنه يجب أن يتولى الإمام بنفسه تفسير القرآن فشرحتم ما تقصدون من ذلك بقولكم:
    «يجب أن يفكّر المفسّر كما يفكّر الإمام بحيث يتكوّن فكره على أساس تعليمات الإمام وأفعاله فالمفسر لا بدّ أن يمرّ بالظروف الحساسة التي عاشها الأئمة ويدرك حالات التضاد والصراعات الشديدة التي واجهوها ويمتلك وعي الإمام وما اختص به من معرفة، حتى يتمكن من حل هذه الحالات المتضادة ...»
    والحاصل أنه حتى يكون التفسير تفسير الإمام لا يجب أن يبحث المفسر عن كلام الإمام بل يجب أن يحمل فكره، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان المفسّر في الطبقة التي ينتمي إليها الإمام (طبقة المحرومين) فيعيش فعلاً تلك الصراعات الطبقية ليحصل على تجربة الإمام ويصبح يفكر مثله.
    ترى هل هذا هو معنى الرجوع إلى الأئمة في تفسير الآيات؟ وأنتم أتعتقدون ذلك فعلاً أم أنكم تريدون من وراء ذلك إغفال الآخرين وخدعتهم؟ فها أنتم تتحدثون عن الضمير الثوري والمصداقية الثورية فأُشهِد عليكم الضمير الثوري والمصداقية الثورية اللذين تتحدثون عنهما، ألا تعلمون حقاً أن قولكم بأن إرادة الله ثورية وأن الله يفكر كذا وأن الله قام بتشكيل حزب ليحقق مطلبه وأن القرآن ليس سوى فلسفة مدوّنة لحزب ثوري، كله غير صحيح؟
    ثم أنتم لم تلزموا أنفسكم بمعرفة تاريخ صدر الإسلام وشأن نزول الآيات، فلم تتعبوها بإلقاء نظرة عابرة إلى تاريخ الإسلام ومع ذلك قمتم بتفسير القرآن وطرح الآيديولوجية الإسلامية. ولما أردتم أن تفسروا تقسيم المجتمع الإسلامي إلى قطبين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وتؤكدوا على أن بيت فاطمة [سلام الله عليها] بات معقل المحرومين والمستضعفين وأردتم تفسير مواقف الشخصيات الشيعية كأبي ذر والمقداد وبلال تفسيراً مادياً طبقياً، أطلقتم عنان الحديث عن بيت فاطمة عليها السلام وظلامتها وحرق بيتها فقلتم بعدها:
    «وفي الوقت نفسه [أي عندما كانت النار تضطرم في بيت فاطمة عليها السلام] كان المئات يحضرون يومياً ليفيدوا من درس التفسير الذي يلقيه عالم الدين الكبير واليهودي المنافق عبد الله بن أبي. هذا الرجل كان قد وقف بوجه الثورة وحاربها طويلا ثم اندس في الثورة وحوّل معارضته من الجبهة الخارجية إلى الجبهة الداخلية حتى أصبح مفسراً للقرآن بل بعد مضي 1400 سنة نرى أن بعض مفسرينا مدينون في نبوغهم التفسيري لأفكار ذلك الشخص وتحليلاته وفهمه وأصبح يحظى بمكانة مميزة لأنه من القدماء».
    عبد الله بن أبي هو المنافق المشهور ومن أشراف المدينة وكان يتمتع بمنزلة كبيرة، فلما جاء الإسلام فقد الرجل منزلته. ثم إنه بقي حياً لعدة سنوات بعد هجرة النبي إلى المدينة إلى أن مات في عهد رسول الله فنزلت الآية: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴿ [وقبلها قوله تعالى:] ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾.
    فالرجل لم يدخل في حرب ضد النبي أبدا حتى يحول الجبهة الخارجية إلى الجبهة الداخلية بل كان يعمل في عرقلة الجبهة الداخلية من البدء.
    ثم إن عبد الله بن أبي لم يكن من علماء الدين أبداً ولم يفسر آية واحدة ولم يذكر أي كتاب من كتب التفسير أن عبد الله كان مفسراً. وقد اجمع المفسرون كلهم على أنه منافق عظيم النفاق. هذا ولم يبق بعد رسول الله حتى يجتمع عنده المئات يسمعوا منه التفسير!
    أليس هذا دليلاً قاطعاً على عدم معرفتكم بتاريخ الإسلام؟ ثم تحدثتم في هامش الموضوع نفسه عن واقعة اليمامة التي حدثت بعد رسول الله ص بعام إذ قامت حرب طاحنة بين المسلمين وأتباع مسيلمة الكذاب فقلتم:
    «لقد قُتل عدد كبير من المسلمين حيث كان عدد القتلى ما بين ألف وألف ومئتين وكان فيهم من حملة القرآن وحفظته ما يبلغ عددهم 700 أو 450 أو 70 على أقل ما ذكر وفي طليعتهم سالم موسى بن حذيفة (مولى أبي حذيفة) ... فيعرف بذلك من هم مؤسسوا تلك المعركة».
    هل تعرفون من هو سالم هذا الذي اعتبرتموه الوجه المشرق بين شهداء القرآن وحملته في حرب اليمامة؟ سالم كان يقود المجموعة التي هاجمت بيت علي وفاطمة وأقدمت على حرق البيت! وهو في ضمن الأشخاص الذين عبرتم عنهم بالسخرية بأنهم «الصحابة الكبار» حيث اعتبرتموهم في القطب المخالف لعلي. وهو الشخص الذي قال الخليفة الثاني عند موته: لو كان سالم حياً لما أوكلت الأمر إلى الشورى؛ أي لم أتردد في تقديمه على علي والخمسة من أعضاء الشورى.فسالم هذا هو مولى إيراني من مدينة اصطخر قد عتق فيما بعد.
    أنا اعرف ان هذه الدرجة من العناية والاهتمام منكم بسالم إنما لأجل أنه كان حسب تعبيركم من المحرومين في التاريخ ومن الأسرى المستضعفين. إن أسر واسترقاق سالم يرجع إلى قبل المدينة وقبل الحروب الإسلامية. فأنتم بناءً على الفلسفة التي تبنّيتموها واعتبرتموها احد المعايير في تفسير القرآن ظننتم أن سالما لكونه ينتمي إلى الطبقة المحرومة في التاريخ فهو إذن ثوري صادق ومؤمن حقيقي وأن موقعه الاجتماعي كموقع سلمان وأبي ذر والمقداد وبلال أي إن مكانته الطبقية تكفي لنعتبره ثورياً حقيقياً ويكون في مقدمة الشهداء وحفظة القرآن في اليمامة. غفلة منكم عن الحقيقة بأن البيت الذي تذعنون أنه كان يمثل بيت الشعب والجماهير (أي بيت فاطمة الزهراء سلام الله عليها) قد أضرمت النار فيه على يد هذا الثوري الشعبي!
    أليست هذه الأمور دليلاً على عدم معرفتكم بتاريخ صدر الإسلام؟ ثم ألا تكشف عن وهن آراءكم في فلسفة التاريخ من أساسها؟ أليس في ذلك كفاية لتعيدوا النظر في تفسيركم وتقييمكم للتاريخ حتى لا تفسروا أفكار ورؤى المفسرين والفقهاء والحكماء والعرفاء والزهاد والعباد على مدى ألف عام على أساس تلك التفسيرات المادية والطبقية؟
    وفي تفسير الغيب في قوله تعالى: «الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْبِ وَیُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ» قلتم: «ذهب المفسرون إلى أن الغيب ما لا يُرى سواء الله أو الملائكة أو غير ذلك، في حين إن الله والملائكة ليسوا من الغيب هذا أولاً، وثانياً إن الإيمان بالله قد مرّ ذكره في الآية السابقة حيث تحدّثت عن المتقين».
    ثم فسرتم الغيب والإيمان به هكذا: «المقصود من الغيب المعهود والمعروف هي المراحل الابتدائية لتنامي الثورة التوحيدية والظرف الزماني لوقوع التغيرات الكمّية».
    والحاصل أنكم ادعيتم أن المقصود من الإيمان بالغيب في القرآن هو أن المؤمنين عليهم استيعاب هذا المعنى بأن للثورة مرحلة كامنة يجب أن يمارس النضال بصورة سرّية وهذه المرحلة هي التي لا يزال الحاكم مستوليا على الأمور وتطوي الثورة مرحلة النمو التدريجي ليتحول التغيير التدريجي الكمي إلى التغيير الكيفي الدفعي (المبدأ الرابع في الجدلية) ويستقر النظام الجديد وتبلغ الثورة مرحلة الشهادة متجاوزة مرحلة الغيب.
    ولا أتطرق في حديثي هنا إلى أن للثورة مرحلتي الغيب والشهادة أم لا؛ فبالتأكيد تمر بالمرحلتين؛ فثورة الإسلام – التي كانت ثورة الفكر لا ثورة البطن كما زعمتم وكانت ثورة إنسانية وفطرية لا طبقية - قد قطعت مرحلة السرية في مكة وتحولت إلى العلن في المدينة.
    إنما حديثي هو أنكم حقيقة في ضميركم هل تحتملون أن مقصود الآية هو ما ذكرتموه؟ هل كان الثوريون في عصر النبي كسلمان وأبي ذر والمقداد يفهمون الإيمان بالغيب وفق هذا التفسير؟ هل كانوا يعتقدون أن الإيمان بالغيب بات موضوعاً قد انتهى أمده في المدينة؟
    وقلتم في شرح قوله تعالى: «وَبِالْآخِرَةِ هُمْ یُوقِنُونَ» بالحرف الواحد: «أي يوقنون بالنظام الأعلى في مرحلة شهادة الثورة ويعلمون أن اتخاذهم هذه المواقف وتبنيهم الأسلوب الثوري سيوصلهم أخيراً إلى هدفهم وهو النظام الأسمى».
    ثم إنكم قد ترجمتم الدنيا أينما وردت بـ (زندگی پست تر = العيش الأدنى) وهذه الترجمة وإن كانت صحيحة ولكن قصدتم بها خصوص الحياة في النظام الرأسمالي وترجمتم الآخرة بـ (نظام برتر = النظام الأسمى) قاصدين بذلك النظام الاشتراكي العادل الذي سيقام بعد هذا النظام.
    حقاً أمقتنعون أنتم بأن المقصود من الآخرة في القرآن هو نظام أرقى للحياة سيتحقق في هذه الدنيا؟ يعني إن المقصود من الدنيا في القرآن أهي الحياة في ظل النظام الرأسمالي والملكية الخاصة والمقصود من الآخرة هو الحياة في النظام الاشتراكي المتطوّر؟ أليس هذا تلاعباً بالقرآن؟ فإن لم يكن تلاعباً فما هو؟ ثم فسرتم قوله تعالى: «ویقیمون الصّلاة» بقولكم: «هم يقيمون التلاحم بغية تحقيق إيمانهم وهذا التلاحم هو المسمى في الشرائع بالصلاة». ثم أردفتم:
    «إنّ مِن ضيق النظر وضيق أفق التفكير لدى المفسرين والمترجمين أنهم صرفوا معاني الكلمات كالصلاة عن معانيها العامة وحدّدوها في مفاهيم معيّنة فإن الصلاة لغةً لا تعني تلك العبادة المتعارفة. إن الصلاة هي الشكل الخارجي لهذا التلاحم بين الثوريين والعلاقة التي تربط بينهم وبين الظواهر العليا والقوانين السائدة في عالم الخلق ... فالقرآن إنما اختار هذه المفردة لافتاً إلى مبدأ من المبادئ العامة في كافة الثورات التوحيدية وغيرها ولكن هذه المبادئ قد تجلت في الثورة التوحيدية بنحو أفضل؛ إذ في مرحلة غيب الثورة يتحتم أن يكون تلاحم بين الثائرين إن في الصعيد الفكري والعقائدي وإن في مقام العمل والقواعد الثورية وأسلوب تطبيق التكتيكات...
    إن رؤية القيادة المفتوحة التي يتبناها الحزب التوحيدي تؤكد على أن الإيمان بالغيب يستلزم إقامة العلاقة المذكورة وتوطيدها أكثر فأكثر بل يريد أن ترتقي هذه العلاقة من مستوى عناصر الثورة فيما بينهم إلى مستوى الخلق أي بين الله وكافة قوى الوجود متمثلة في الخارج على هيئة الصلاة».
    أقول: أولاً في أي لغة وفي أي حقبة من حقب التاريخ كان يفهم من الصلاة التلاحم بين أعضاء الحزب الواحد أو التلاحم بصورة مطلقة؟ ثانياً ألم يصرح القرآن ويوصي بالتلاحم بين أهل الإيمان (حزب الله) «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعاً وَلا تَفَرَّقُوا» فأيّ ضرورة تدعو لتفسير الصلاة أينما وردت بتلاحم العناصر الثورية ونعتبر الصلاة المتعارفة بأنها الصورة الخارجية للتلاحم مع الكون بأسره؟
    ثالثاً إن قولكم: «في مرحلة غيب الثورة يتحتم أن يكون تلاحم بين الثائرين إن في الصعيد الفكري والعقائدي وإن في مقام العمل والقواعد الثورية وأسلوب تطبيق التكتيكات...» مفهومه أن في مرحلة شهادة الثورة يبقى تشريع «فَأَقِیمُوا الصَّلاةَ» تشريعاً بلا موضوع، وقد قلتم نظير ذلك في قوله تعالى: «وَمِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ». ثم إن المسلمين في صدر الإسلام في المدينة أي في مرحلة الشهادة للثورة حسب الاصطلاح، هل كانوا لا ينفذون الأمرين الواردين في قوله تعالى: «فَأَقِیمُوا الصَّلاةَ» و«وَمِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ»؟
    ثم إن القرآن أيعتبر أن تلاحم العناصر المؤمنة ناتجاً عن العلاقة القائمة بين الله والإنسان وتابعاً لها أم أن العلاقة المذكورة هي التابعة لذلك التلاحم وناتجة عنه؟ أهذه الصلاة المتعارفة بين المسلمين هي الصورة الخارجية للتلاحم بين المؤمنين أم التلاحم بينهم هو بمنزلة الصورة الاجتماعية للعلاقة التي تربط المؤمنين بالله؟
    لقد فسّرتم الخلود في القرآن بما يفسره الفلاسفة الماديون وحاصله أن الفرد إذا فني في سبيل تطوّر المجتمع فهو خالد لأن الطريق خالد والتطور خالد وإن كان الفرد فانياً.
    فبغض النظر عن الإشكالات المتعددة نقول: إن القرآن يرى أن الخلود لا يختص بالمؤمنين وأبطال الثورة والتطور بل يرى أن الخلود يشمل الكفار والمنافقين أيضاً. فكيف تفسرون خلودهم؟
    ثم ها هو قولكم في تفسير سورة الحمد:
    «إن التعلق بالله هو المبدأ الأساس في القرآن. فالله يعني الذات المقدسة التي تتوّله وتحار فيها كل الموجودات وتسعى غاية جهدها أن تتصل بها وتصل إليها ... أوليس الاسم يحكي عن المسمى وكاشفاً عنه؟ كيف يمكن [للإنسان] أن يصل إلى مسمى الله (حقيقته) عن طريق اسمه؟
    أليس الله قد أحاط بالخلق كله؟ أليس الله حاضراً في كل جزء من أجزاء الموجودات وحاكماً عليها؟ فكيف يمكن الاهتداء إلى ذاته والوقوف عليها بكلمة «الله»؟ ثم إن الإنسان المؤمن بالقرآن لما يتفوّه بهذه الكلمة ألا تتسع رؤيته قدر الخلق كله وألا يصبح ظرفه الوجودي أوسع وأفسح من عالم الخلق كله؟ أليس من هنا نصل إلى هذا الكلام الإلهي الرائع: لا يسعُ اللهَ شيءٌ سوى قلب المؤمن؟
    فالعنصر المؤمن كما يذكر اسم الله والهاً متحيراً أمام عظمته وكبرياءه وجبروته ويسعى جاهداً للوصول إليه ليكون هو الساكن في قلبه ولبّه، كذلك يفكر في الخلق ويتأمل المخلوقات؛ حيث إن الخلق برمّته يبحث عن الله ويطلب الوصول إليه ولا حبّ له بسواه، وقد وثّق صلة العبودية به، سائراً إليه»
    هذه كلها صحيحة تستحق التقدير لكن نفاجأ في تفسيركم لكلمة «الله» في قوله تعالى: ﴿یُخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِینَ آمَنُوا وَما یَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ. . .﴾ [البقرة: 9] حيث تنقلب الصورة رأساً على عقب وتتغير الرؤية عما ذكرتم بأن الموجودات كلها متحيرة في عظمة الذات المقدسة وجبروتها وأنها تطلبها ولا تتعلق بسواها وأمثال ذلك، فإذا بعبارات لا تتحدث عن ذات مقدسة منزهة عن كل نقص وحالة متوقعة ولا عن ذات مجردة من المكان والزمان المعبّر عنها بلسان القرآن بكلمة «الله»، بل تتحدث عن حقيقة أخرى هي معروفة لدينا كلنا، فأيّ حقيقة هذه؟ الجواب: التطوّر.
    فقلتم عند شرح الآية المذكورة بالحرف الواحد: «ترى ما الذي نفهم من الله غير التطور المطلق؟ وغير الخلق بكل أبعاده؟ وغير العالم بكل حركته التطورية باتجاه لامتناهٍ عظيم؟»
    أقول: هل الله في منطق القرآن يعني التطور المطلق؟! إن التطور هو الحركة نحو الرقي والكمال ولكن الله هو الكمال المطلق والكامل المطلق. هناك فرق بين الكمال والتطوّر، فالمادّيون يقبلون التطوّر المطلق ولا يقبلون الكمال المطلق. والخلاف بين المادي والإلهي إنما في الكمال المطلق الذي ليست فيه حالة متوقعة وليس فيه شيء من العدم والنقص والحركة، وليس خلاف بينهما حول التطور المطلق.
    فالمراد من الله أهو الخلق بكل أبعاده؟ أم أن الله يعني خالق الخلق بكل أبعاده؟ ثم إن الله أيعني العالم الذي يسير على حركة تطورية نحو لا متناه عظيم أم أن الله هو اللامتناهي العظيم الذي صدر العالم منه وإليه يصير ويتحرك (ألا إلى الله المصير).
    إن تفسير الله بالتطور المطلق وبالخلق بكل أبعاده وبالعالم بحركته التطورية نحو لا متناهٍ عظيم هو أمر يقبله كل ملحد لا يؤمن بالله! فلو سألتم من فيورباخ وماركس وإنجلز ولينين واستالين أيضاً لقبلوا بهذا المعنى!
    الحاصل إنه كل ما ورد في هذا التفسير من أسماء ومفردات هي أسماء ومفردات دينية لافتة للنظر من قبيل: الله والتوحيد والنبوة والوحي والملك والآخرة والجنة والنار والروح والنعيم والعذاب والتوكل والصبر والتطور والثورة ... ولكن ما إن تدخل إلى عمقها وتغور في حقيقتها حتى تختفي أمام عينيك وتحلّ محلها مفاهيم أخرى وحينئذ لا يبقى من تلك المفردات سوى ألفاظها!
    الذي يثير الاستغراب هو الادعاء بأننا نريد أن نحوّل الثقافة الإسلامية إلى ثقافة ثورية. عجبا! فلكي نكون ثوريين أو لكي تكون الثقافة الإسلامية ثقافة ثورية – كما تقولون - هل يجب أن نفرّغها من مضمونها ونستبدلها بمضمون مادي؟! هل الثورة تنحصر في ثورة البطن وهل الثورة لا تنشأ إلا عند الحرمان والطبقية؟ ألم يقم النبي بثورة فكرية وثورة للروح والقلب؟ أليس هذا الفهم من الثورة إنما هو ترويج للماتريالية (المادية) علمنا ذلك أم جهلنا؟ حيث تدعي الماتريالية أنه لا يمكن الحديث عن ثقافة ثورية إلا بالفهم المادي وبالتفسير المادي للتاريخ والمجتمع وأخيراً بالماتريالية التاريخية؟
    كان هذا بعض ما أردت أن أذكر به - حُباً ونُصحاً - الأعزة الذين لا أزال أعتقد أنهم قد خُدعوا وأرجو أن يكون موعظة نافعة.
    مرة أخرى أدعو العلماء وأصحاب الفضيلة إلى النظر والتدقيق فيما ذكرت؛ فإن بدت لهم هفوة في ذلك فليذكّروني بها لأكون شاكراً لهم كل الشكر وأتقبلها منهم أيّ قبول.
    أول رجب عام 1397 هـ



    وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

    تعدد الحب لكن حبه أزلي
    ما قيمة الحب إن لم ينتمي لعلي

  2. هذا العضو قال شكراً لك يا 94213821221 على المشاركة الرائعة:


المواضيع المتشابهه

  1. الإسلام الذي يشعل نيران التفرقة بين المسلمين ... ليس بإسلام
    بواسطة مهاجر في المنتدى الوحدة الإسلامية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-10-2014, 10:48 AM
  2. إيران ترسل سفنا حربية بالقرب من الحدود البحرية الأميركية لأول مرة
    بواسطة مهاجر في المنتدى تجاربنا الشخصية في الحياة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-02-2014, 02:52 PM

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •