حقيقة تعتصر قلوبنا ونتألم عندما نتجول في شوارع أوروبا والغرب بشكل عام , وذلك حينما نرى أن الطفل هو خط أحمر بالنسبة لهذه المجتمعات الغربية ، وأن الطفل عندهم مقدس ، بحيت يستطيع أن يأخد أحد أبويه أو كليهما إلى السجن إذا ما آدعى أنه تعرض للعنف من طرفهما ، نخجل عندما نطالع في تشريعات وقوانين الغرب ونرى حجم الوقاية والحماية التي تتضمنها هذه التشريعات للأطفال ، ثم نخجل عندما نرى الإستراتيجيات والبرامج التنموية التي يعُدها الغرب لإنتاج أجيال رائدة وقائدة ، نخجل عندما نرى أن هذا الغرب (الكافر) يخصص مدارس وجامعات لأطفاله ،المتميزين والعباقرة ، ويعد أبنائه للتقافة وريادة العالم وقيادة الحضارة والحضور في المسرح الدولي وصناعة التاريخ . في الضفة الأخرى نرى حكوماتنا العربية كيف تهين وتهمل أطفالنا ، وتركسهم إلى الأرض بحيث لايرفعوا رؤوسهم أبدا فجاءت جماعة داعش الإرهابية وأضرابها من الجماعات التكفيرية وأنهت كل أحلام وطموحات وتطلعات الطفل العربي فأرسلته إلى ميادين الدم والقتل والتفخيخ بإسم الإسلام . تداولت مواقع التواصل الإجتماعي في الأونة الأخيرة شريطا ، لأب سوري يهيئ إبنته ويحضرها لتفجير نفسها في مخفر للشرطة في دمشق ، حيث أفهمها وأخبرها هذا الأب بأنها بعملها هذا ستنصر الإسلام وترفع رايته ، وأنها بعد هذه العملية الإرهابية سترقى إلى الجنة ، وأطلق هذا الداعشي على هذه العملية المنكرة "غزوة دمشق" : هكذا تقدم داعش الإسلام إلى الأجيال القادمة . كان الأباء في الجاهلية الأولى يدفنون بناتهم أحياء خوفا من العار ، أما اليوم وفي الألفية الثالثة حيث يدعي رموز الإرهاب والتكفيريين أنهم يمثلون الإسلام وبإسمه يستحلون تفخيخ الأطفال ويرسلونهم إلى مواقع التفجير إعتقادا منهم أن هذا هو الجهاد وهذه هي المقاومة . سيبقى هذا هذا السلوك الهمجي وهذه السادية الداعشية التي مارسها هذا الأب عبد الرحمان الشداد الملقب بأبي النمر السوري بتفخيخه لطفلته محفورا وحيا في ذاكرة وتاريخ الإنهيار والإنحطاط العربي ، هكذا يقتلون الأخلاق والقيم والإنسانية . لقد بنى الإسلام وأسس فكره وتقافته وفقهه وعقائده على قواعد الرحمة والإنسانية ، حيث حرٌم ضرب الطفل وإلحاق الأذى به وأعتبر قتل الأطفال سلوكا مرفوضا ، مسلمين كانوا أو غير مسلمين ، وحرٌم قتل الشيخ الكبير والمرأة وقطع الشجرة ، فضلا عن تفخيخ الأطفال وربطهم بأحزمة ناسفة تمزق أجسادهم الطرية وطفولتهم البريئة . أصبحت أمة إقرأ ، أمة ترعى الجهل بإسم الإسلام ، تقتل ثم تقول الله أكبر ، تسفك الدماء وتروج لفقه الكراهية وفقه القتل والهدم ، وتقول الله أكبر ، وهي تستند في ذلك إلى روايات موضوعة ومزيفة نسبت إلى الرسول ظلما وبهتانا ، مثل : "جعل رزقي تحت سن رمحي " و "جئتكم بشريعة الذبح" وغيرها من هذا الروث الفقهي الذي أسس له أمثال إبن المنبه وكعب الأحبار وتميم الداري وأضرابهم ، ثم صارت هذه الإسرائيليات فقها ، والجريمة الفقهية أصبحت مناهج تدرس وتتوارث جيلا بعد جيل ، فقها لايتناسب مع مضمون القران ولايقبله العقل ، كيف يصف الله رسوله بأنه الرحمة المهداة : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ثم يناقض هذا البناء الراقي الدي وصفه به الله ويصدر تشريعا يقول فيه جئتكم بشريعة الذبح مناقضا بذلك القران ؟ ولكن برجوعنا شيئا إلى الوراء والتفتيش في هذا الموروث الديني ،سنعرف أنه بعد وفاة الرسول ومشكلة تدوين الحديت التي طرحت في الخلافة الأولى ، وبالنظر إلى طبيعة الحكم الذي ساد في تلك الأزمنة (الأمويين والعباسيين) وتوظيف الدين من طرف هذه الأنظمة لتتبيت سلطانها والكل يدعي خلافة النبي ، وكيف سمح للقصاصين وغيرهم من رواة الحديث الحشويين في وضع أحاديث تخدم تلك الأنظمة ثم إلصاقها ونسبتها للرسول زورا ، وهذا ماخلص له أهل الجرح والتعديل من أهل الدراية . أين هي المجامع العلمية ؟ أين القرويين ؟ أين الزيتونة ؟ أين الأزهر الشريف ؟ أين الجامعات الإسلامية ؟ أين أهل الفكر والتنوير ؟ أين غاب كل هؤلاء ؟ لماذا لايصححون هذا الموروث الإسلامي ؟ لماذا هذا الصمت ؟ هل مات كل هؤلاء ؟ هل تخلو وتركوا الساحة للغوغاء ؟ أين هم من الواجب ؟ أين هم من العقل ؟ . نحن بحاجة إلى ثورة معرفية إبستمولوجية تقافية بكل المعايير ، ثورة في فهم النص والخطاب الإسلامي والعقائد ، يجب تجفيف كل تلك الكتب التي تدخل من تحت الأبواب وترصد لها الأموال والبترودولار ، لتوظيفها في غسل وتجميد العقول وتدعوا إلى جواز تفخيخ الأطفال وآستباحة أجسادهم .