الشهید الثاني (العاملي)
المنتديات الثقافية المنتديات الثقافية Arabic Persian
التسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    الشهید الثاني (العاملي)




    ولد الشهيد الثاني في 13 شوال 911هـ، من أسرة علمية عريقة فأبوه كان من كبار أفاضل عصره، وكان ستة من آبائه من الفضلاء المرموقين، وامتدت هذه الصفات في أبنائه فعرفت بسلسلة الذهب.

    كان الشهيديتمتع بمخايل النجابة والذكاء وحب العلم والمعرفة، وقد ساهمت الظروف في تأمينالبيئة الصالحة له، فكان ختمه للقرآن في سنة 920هـ، وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره،وشكل ذلك انطلاقة لقراءة الفنون الأدبية والفقه يرعاه والده ويدرسه، فقرأ عليهمختصر الشرائع واللمعة الدمشقية وفي الروضات حتى وفاته سنة 925هـ.


    نشأته:

    نشأ هذا العالم في أُسرة علميّة فاضلة، يكفي أنّ ستّة من آبائه وأجداده كانوا من العلماء الفضلاء. وكان قد اجتمع لديه عاملان مهمّان نهضا به إلى تسلّق سَنام المجد وهما:
    الأوّل:
    الجوّ العلميّ الذي تأثّر به فبَلوَر ذهنيّته، ونمّى فيه مواهب الفقاهة والمعرفة.


    الثاني:
    الحالة الروحيّة التي كان يتمتّع بها الشهيد الثاني منذ صباه، فقد بكّر بختم القرآن والتوجّه العباديّ.

    وإلى جانب هذين العاملين كانت الهجرة من وطنه طلباً للعلم سبباً آخر في ارتقائه مدارجَ المعرفة. فسافر إلى (ميس) إحدى قرى جبل عامِل في جنوب لبنان ولم يكن تجاوز سنَّ المراهقة، فأكمل دراسته المعمّقة مشفوعةً بالبحث الجادّ والمراجعة المركّزة.. فقطع مراحلَ عديدة في مدّة قصيرة وهو في شوق إلى العلم وحُسن استماعٍ لحديث الأكابر، وكان شجاعاً في ساحات الحوار والمباحثة، يُفيد ويستفيد.



    رحلته العلمية والإيمانية:

    بعد وفاة والده قصد ميس الجبل لطلب العلم فتتلمذ على يد الشيخ علي عبد العالي، وكان له من العمر أربعة عشر عاماً، وبقي فيها إلى أواخر سنة 933هـ، فقرأ عليه "شرائع الإسلام" و"الإرشاد" وأكثر القواعد، وكانت المدة التي قضاها في ميس ثماني سنوات وثلاثة أشهر، وحصلت فيها بينه وبين الشيخ مودة.

    ارتحل بعدها إلى كرك نوح حيث يقيم الشيخ علي الميسي زوج خالته الذي زوجه ابنته، وقرأ بها على المرحوم السيد حسن ابن السيد جعفر صاحب كتاب المحجة البيضاء جملة من الفنون منها "قواعد ميثم البحراني" في الكلام و"التهذيب" في أصول الفقه و"العمدة الجلية" في الأصول الفقهي و"الكافية" في النحو.



    بعد سبعة أشهر راوده الحنين إلى بلده، فعاد إلى جبع، فاستقبله أهلها بالحفاوة والترحاب، وبقي فيها من عام 934إلى عام 937هـ، استغلها في المذاكرة والمطالعة والتوجيه، فكان مثالاً للرجل الرسالي المشفق على أبناء بلده والحريص عليهم، غير أن ذلك لم يمنعه من متابعة تحصيله العلمي فانتقل إلى دمشق، واستُقبل بها على بعض أعلامها لا سيما الشيخ الفاضل المحقق الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي وقرأ عليه بعض مؤلفاته في الطب والهيئة، وبعض "حكمة الإشراق" للسهروردي، ودرس "علم القراءة" على الشيخ أحمد بن جابر عاد بعدها إلى جبع عام 938هـ.


    دفعه الفضول العلمي للعودة في سنة 941هـ إلى دمشق ثانية، واجتمع بجماعة من الأفاضل في مقدمتهم الشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي وقرأ عليه جملة من الصحيحين وأجازه في الرواية.


    لم يتوقف الشغف العلمي للشهيد على بلاد الشام، بل آثر الاطلاع على المناهج والمدارس الفكرية لدى المذاهب الإسلامية بمختلف تفرعاتها، فرحل إلى مصر سنة 943هـ، ولما وصل إلى غزة اجتمع بالشيخ محيي الدين عبد القادر بن أبي الخير الغزي وجرت بينهما بعض المناقشات وأجازه إجازة عامة، وتوطدت العلاقات بينهما وصلت إلى درجة أدخله معها الشيخ الغزّي إلى خزانة كتبه فجال فيها وقلب كتبها ولما هم بالخروج طلب إليه أن يختار منها كتاباً.


    ومكث في غزة مدة تابع بعدها السير إلى مصر التي كانت في تلك الأيام حاضرة مهمة في عالم الفكر والثقافة والعلوم فحضر فيها كثيراً من حلقات المساجد والمدارس وقرأ على كثير من شيوخ الفقه والحديث والتفسير كالشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي، والملاّ حسين الجرجاني، والملا محمد الاسترابادي، وغيرهم، دارساً الفقه والفنون العربية والعقلية (المعاني والبيان وأصول الفقه والنحو والهندسة والهيئة والمنطق والعروض والحديث والتفسير القراءة والحساب).


    كان يرفض أن يقف كل جماعة على مذهب واتباعه دون الاطلاع على معارف المذاهب الأخرى وعلومها. وكان يدعو إلى الحوار والمناقشة، وأن يكون الأخذ بالآراء مبني على الوضوح والبيان، ولا أدل على ذلك ما كان من مناقشته للشيخ أبو الحسن البكري حيث يرفض أن يجمد "كل فريق منهم على مذهب من المذاهب" ولم يدر ما قيل فيما عدا المذهب الذي اختاره مع قدرته على الاطلاع والفحص وإدراك المطالب.


    وبعد أن ألم بجملة وافية من العلوم والمعارف الإسلامية، واطلع على مناهج الدراسة وتعرف على المذاهب والمدارس الفكرية المتنوعة، غادر في عام 943هـ لأداء فريضة الحج والعمرة، وعاد في عام 944 هـ إلى بلده فابتهج أهل العلم بعودته وتزاحمت على داره أفواج طلبة العلوم فشرع بالتدريس والتوجيه، ولم يكتف بذلك فبنى مسجداً وغيره من المشاريع.


    ومما يجدر ذكره أن الشهيد كان قد التمس في نفسه ابتداء من عام 933هـ ملامح الاجتهاد، وبانت قدرته على الاستنباط وأظهر ذلك عودة الناس إليه في التقليد وكان عمره 33 سنة.


    كان مولعاً بحب السفر وشغوفاً في ركوبه ومجاهدة نفسه، خاصة إذا كان المقصد الأئمة (ع)، فترك مهوى قلبه وفؤاده، وغادر إلى العراق، وكان ذلك في عام 946هـ، ومما يروى أن رفقاءه في السفر كانوا متعددي الأوطان والانتماءات الدينية، ومنهم من كان يعادي الشيعة، ولكن الشهيد استطاع أن يستميله بحكمته وتعاطيه الرصين، أضحت بينهما إلفة ومودة وصلت إلى ملازمته والصلاة معه، محولاً بذلك العدو إلى صديق حميم.


    ونظراً لما كان بيت المقدس يختزنه من حب في قلبه وفي وجدانه لما يشكله من مخزون قيمي وتراثي، وحيث كان أولى القبلتين وثاني الحرمين، آثر زيارته في منتصف ذي الحجة عام 948هـ، والتقى بالشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي، وقرأ عليه بعض صحيح البخاري وبعض صحيح مسلم وأجازه إجازة عامة، ثم رجع إلى جبع، وأقام بها إلى سنة 951هـ مستقلاً بالمطالعة والمذاكرة متفرغاً وسعه في ذلك.

    سفره إلى القسطنطينية:



    سافر بعدها إلى القسطنطينية ليلتقي فيها بعض كبار المسؤولين، وكان في العادة يتوجب على من يريد لقاء المسؤولين في الآستانة أن يأخذ تعريفاً من حاكم منطقته، وكان القاضي المعروف بالشامي هو قاض صيدا آنذاك، فامتنع الشهيد أن يأخذ منه تعريفاً مؤثراً الاكتفاء بتعريف نفسه هناك بتأليف رسالة من عشرة مباحث كل منها في فن من الفنون العقلية والفقهية والتفسير وغير ذلك فقبلها قاضي العسكر دون أن يطالب بتعريف قاضي صيدا، وهذا ما يدل على أن الشهيد الثاني كان يحظى باحترام القادة والحكام في الآستانة وما يزيد في إيضاح علو مكانته أنه ترك له الحرية في اختيار ما يشاء من الوظائف والمدارس فاختار التدريس في المدرسة النورية في بعلبك على مختلف المذاهب بما فيها المذهب الشيعي، ويعد ذلك بمثابة فتح أدى إلى اعتراف السلطان العثماني رسمياً بالمذهب الشيعي من جهة، والإطلالة للشهيد على المذاهب الإسلامية الأخرى تدريساً وبحثاً من جهة أخرى، ما أكسبه وداً واحتراماً زائدين، وأصبح مجال حركته في دائرة أوسع تشمل الساحة الإسلامية كلها، ما جعله في مكانة يحسده عليها الخصوم والمتربصون.


    وقبل أن يعود إلى المدرسة النورية أبى عليه حبه للاستطلاع والسفر الذي يعتبر مدرسة حيّة ومتنقلة يزيد فيها من معارفه ويكسب تجربته قوة ومناعة، ويعمق فيها من منهجه ومراسه في ميداني الكتابة والمجتمع، وتجلى ذلك حركة إبداعية فكتب بقلم الباحث المتزن والواثقِ، فاتسمت كتابته بالدقة والموضوعية، فوصف المدن والبلاد التي زارها واتصل بعلمائها من غير أن يفوته ذكر مناخها وثمارها وبعض عادات أهلها، واستمرت جولته هذه تسعة أشهر.


    ينتقل بعدها إلى العراق وتسبقه إليها شهرته، فيتدفق عليه الناس من مختلف الطبقات، فيزور سامراء في عام 952ه، ويحقق قبلة مسجد الكوفة ويصلي وفق ما أدّى إليه اجتهاده فيتابعه الناس.


    وفي منتصف شهر صفر 953هـ، عاد إلى بعلبك وأقام بها يشتغل بالتدريس على المذاهب الخمسة ويقوم بإرشاد الناس وتوجيههم وقضاء حوائجهم والقيام بشؤونهم الدينية، فتتحول معه بعلبك إلى حاضرة علمية، وانتقل بعد ذلك إلى جبع، واشتغل بالتصنيف والتأليف.



    معاناته:



    لقد عانى الشهيد الثاني الكثير من المشاق واعترضته صعاب جمّة، فيتحدث عن أوضاعه: "فتضطرني الحال وأنا في سن الشيخوخة إلى شراء حوائجي من السوق بنفسي وإلى غير ذلك من الأعمال البيتية ولا أزال وقد جاوزت الرابعة والثمانين من عمري أزاول ذلك وأشتغل بالتأليف والتصنيف ليلي ونهاري ولا مساعد ولا معين إلا الله".


    كان يقضي نهاره في التدريس وقضاء حاجات المحتاجين، وليله في الاحتطاب وحفظ الكرم، ومع ذلك جاء كثير التأليف خصب الكتابة مع ضبط للمواضيع ودقة في النقل، وترو في طرح الموضوعات وعمق في النظريات، ونضج في الفتاوى، ونجاح قلّ نظيره في التدريس، رافداً مطالعاته وثقافته بكثرة السفر.


  2. #2



    أقوال العلماء فيه:


    وهو تقييم نطلبه من أهل المعرفة والاختصاص، منهم:


    يقول ابن العُوديّ، وهو تلميذه: كان (الشهيد الثاني) شيخ الأُمّة وفتاها، ملك من العلوم زِماماً، وجعل العكوف عليها إلزاماً.. زرع أوقاته على ما يعود نفعه عليه في اليوم والليلة، أمّا النهار ففي تدريسٍ ومطالعة، وتصنيف ومراجعة، وأمّا الليل فله فيه استعداد كامل، لتحصيل ما يبتغيه من الفضائل.


    وقال فيه الشيخ الحرّ العامليّ: أمره في الفقه والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجلالة القَدْر وعِظم الشأن وجمع الفضائل والكمالات.. أشهر من أن يُذكر، ومصنّفاته مشهورة.. كان فقيهاً مجتهداً، ونحويّاً حكيماً متكلّماً قارئاً جامعاً لفنون العلوم، وهو أوّل مَن صنّف من الإماميّة في دراية الحديث.






    مكانته العلمية:


    يمكن تلخيص الخصائص العلمية للشهيد الثاني - رحمه الله ـ بما يأتي:

    أوّلاً:

    إحاطته بثقافات عصره وآراء المذاهب الإسلاميّة كلّها. وقد تسنّى له ذلك بتواضعه وشوقه للاطّلاع العلمي النزيه، إضافة إلى رحلاته التي التقى فيها بجملةٍ من علماء المسلمين على اختلاف مشاربهم، حتّى حضر حلقات دروسهم، وأخذ عن مشايخهم إجازات عديدة بعد أن أمضى معهم بحوثاً ودراسات واعية مستوعبة في حقول الحديث والفقه وغيرهما، وهو إلى سعة صدره كان يتمتّع بأصالته، ويتّخذ المواقف العلميّة المحكمة.


    ثانياً:

    تفوّقه العلميّ اللاّفت، فهو رحمه الله:

    1- قد بلغ في بعض المجالات ما لم يبلغه الأوائل قبله.

    2- جمع بين دقّة الملاحظة وعمق النظر.

    3- ألمّ باختصاصات متعدّدة من حقول المعرفة.. فإلى إحاطته بالثقافات الإنسانية في عصره وتضلّعه في الفقه والأُصول والحديث، درس علوم: الهيئة والفلَك، والطبّ والرياضيّات، والأدب والفلسفة، واللغة والنحو والصرف والبلاغة والشعر والقراءات القرآنية. كذلك ألمّ إلمامة واسعة بالعلوم العقلية في وقته، من منطق وكلام.


    مزاياه وخصائصه:



    لكلّ عالِمٍ علَمٍ مزايا وخصائص انفرد بها عن غيره، وفاق بها أقرانه والمتقدّمين عليه. والشهيد الثاني جمع من هذه الخصائص والمزايا الشيءَ الكثير، بل كان عنده ما افتقر إليه الكثير من ذلك:


    أوّلاً: إحاطته بثقافات عصره وآراء المذاهب الإسلاميّة كلّها. وقد تسنّى له ذلك بتواضعه وشوقه للاطّلاع العلمي النزيه، إضافة إلى رحلاته التي التقى فيها بجملةٍ من علماء المسلمين على اختلاف مشاربهم، حتّى حضر حلقات دروسهم، وأخذ عن مشايخهم إجازات عديدة بعد أن أمضى معهم بحوثاً ودراسات واعية مستوعبة في حقول الحديث والفقه وغيرهما.

    وهو إلى سعة صدره كان يتمتّع بأصالته، ويتّخذ المواقف العلميّة المحكمة.


    ثانياً: تفوّقه العلميّ اللاّفت، فهو رحمه الله:


    • قد بلغ في بعض المجالات ما لم يبلغه الأوائل قبله.

    • جمع بين دقّة الملاحظة وعمق النظر.

    • ألمّ باختصاصات متعدّدة من حقول المعرفة.. فإلى إحاطته بالثقافات الإنسانية في عصره وتضلّعه في الفقه والأُصول والحديث، درس علوم: الهيئة والفلَك، والطبّ والرياضيّات، والأدب والفلسفة، واللغة والنحو والصرف والبلاغة والشعر والقراءات القرآنية. كذلك ألمّ إلمامة واسعة بالعلوم العقلية في وقته، من: منطق وكلام.
    وقد حكت تآليفُه القيمّة خصوبةَ كتابته، وفيوض معرفته، وتفوّق ذهنيّته.


    مؤلفاته:



    وهي تتجاوز الثلاثين مؤلَّفاً، نذكر أشهرها:


    1- الروضة البهيّة في شرح اللُّمعة الدمشقيّة ـ عشرة أجزاء

    2- مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام ـ في سبعة مجلّدات.

    3- تمهيد القواعد الأُصوليّة والعربيّة.

    4- التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية.

    5- مُنية المريد في آداب المفيد والمستفيد.

    6- مسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد.

    7- جوابات المسائل.

    8- الفوائد المليّة في شرح النَّفليّة.

    9- حقائق الإيمان.

    10- الدراية (في الحديث).

    11- غُنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين.

    12- منار القاصدين في معرفة معالم الدين.

    13- كشف الرِّيبة عن أحكام الغِيبة.


    إضافة إلى: منسك الحجّ والعمرة، ورسالة في عشرة علوم، وكتاب الرجال والنسب، والاقتصاد والإرشاد.. في الأُصول العقائدية، والفروع والواجبات الفقهيّة.




    سيرته:


    يحدّثنا تلميذه ابن العُوديّ عن ذلك فيقول:


    هذا.. مع غاية اجتهاده في التوجّه إلى مولاه، وقيامه بأوراد العبادة حتّى تَكِلَّ قدماه. وهو مع ذلك قائم بالنظر في أحوال معيشته على أحسن نظام، وقضاء حوائج المحتاجين بأتمّ قيام، يَلقى الأضياف بوجهٍ مُسْفر عن كرم كانسجام الأمطار، وبشاشةٍ تكشف عن شَممٍ كالنسيم المعطار.


    ويستمرّ ابن العوديّ فيتحدّث عن تواضع أستاذه مع علوّ رتبته وسمّو منزلته، فيذكر أنّه إذا اجتمع بالأصحاب عَدّ نفسَه واحداً منهم، ولم يَمِل إلى تمييز نفسه بشيء عنهم. وقد شاهده ابن العوديّ نفسه ينقل الحطب لعياله في الليل على حمار، ويصلّي الصبح في المسجد، ثمّ يشتغل بالتدريس بقيّة نهاره، وأنّه كان يصرف أوقاته في الطاعات وتهذيب النفس، كما كان يصرفها في المطالعة والبحث والدرس.


    كما استطاع الشهيد الثاني رضوان الله عليه أن يصلح مجتمعاً غارقاً في الجهل والفساد، فبثّ فيه الخير والنور والفضيلة، وأحيا فيه معالمَ الدين التي عَفَت آثارها، مُجدِّداً شعائر السُّنن الحنيفيّة.


    ثمّ كان منه أن عَمَّر مساجد الله وأشاد بنيانها، ورتّب وظائف الطاعات فيها معظِّماً شأنها، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مرشداً أصحابَ العبادات في مناسكهم وشعائرهم، مخلصاً لله تعالى بأعماله، فتأثّرت القلوب بأقواله.


    إنّ ما امتاز به الشهيد الثاني أيضاً هو إخلاصه لعقيدته وغَيرته على دينه، وجهاده وتفانيه من أجل الحقّ الإلهيّ.. حتّى شرّفه الله تعالى بخاتمة مباركة.




    الخاتمة المشرّفة:


    بالرغم من الروح الإنسانيّة والأخلاقيّة التي تحلّى بها الشهيد الثاني مع المسلمين المخالفين له في الرأي، إلاّ أنّه لم يسلم من الضغط الشديد والمراقبة الخانقة وإحاطة العيون والجواسيس بمنزله. حتّى اضطرّه ذلك إلى ترك مدينة « بعلبك » سنة 955 هجريّة والرجوع إلى بلدته « جُبَع ».


    ولم يَنتهِ الحقد الدفين، فما يزال في قلوب أعدائه.. يقول الشيخ الحرّ العامليّ في ( أمل الأمل 90:1 ):


    ترافَعَ إليه رجُلان، فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا ( الشيخ معروف ) فأرسل إلى جُبَع من يطلبه، وكان الشهيد الثاني مقيماً في بستان متفرّغاً لتأليف كتابه ( اللُّمعة الدمشقيّة ).. فقال أهل البلدة للمبعوث: قد سافر عنّا مدّة. فخطر ببال الشيخ أن يسافر إلى الحجّ قاصداً الاختباء من السلطة الحاقدة، فسافر متنكّراً.


    حينها كتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنّه قد وُجِد ببلاد الشام رجلٌ مُبدع خارج عن المذاهب الأربعة، فأرسل السلطان رجلاً في طلب الشهيد الثاني يأتيه به حيّاً؛ ليجمع بينه وبين علماء بلاده في مباحثة يطّلعون من خلالها على مذهبه، فإذا أُخبر السلطان حَكمَ عليه بما يقتضيه مذهبه. فرجع الرجل يخبر السلطان أنّ الشيخ توجّه إلى مكّة، فذهب في طلبه مجتمعاً معه في الطريق، فقال الشيخ له: تكون معي حتّى نحجّ بيت الله، ثمّ افعَلْ بي ما تريد. فرضي الرجل بذلك.


    فلمّا فرغ الشهيد الثاني من الحجّ سافر مع الرجل المبعوث إلى بلاد الروم، فلمّا وصل إليها سُئل المبعوث عن الشيخ فقال: رجل من علماء الشيعة الإماميّة، أُريد أن أُرسله إلى السلطان، فقال له رجل: أوَ ما تخاف أن يُخبَر السلطان بأنّك قد قصّرت في خدمته وآذيتَه، وله هناك أصحاب يُساعدونه، فيكون سبباً لهلاكك ؟ بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه إلى السلطان !

    فما كان من المبعوث إلاّ أن غَدَر بالشيخ فقتله في مكانه من ساحل البحر، ناكثاً معه عهده. وكان هناك جماعة من التركمان، فرأوا تلك الليلة أنواراً تنزل من السماء وتصعد، فدفنوه هناك وبنوا عليه قبّة. فيما أخذ الرجل المبعوث رأس الشيخ الشهيد الثاني إلى السلطان، فأنكر عليه السلطان قائلاً: أمرتك أن تأتيني به حيّاً فقتلتَه! ثمّ أمر بقتله.

    وقد كانت شهادته رضوان الله عليه سنة 965 هجريّة، عن عمرٍ مبارك لم يتجاوز الرابعة والخمسين أو الخامسة والخمسين.

    كان له اهتمامات شعرية بالرغم من مشاغله، نعرض منها قوله عندما زار النبي(ص):

    صلاة وتسليم على أشرف الورى ومن فضله ينبو عن الحد والحصر
    ومن قد رقىالسبع الطباق بنعلهوعوّضهالله البراق عن المهر
    وخاطبه اللهالعلي بحبهشفاهاً ولم يحصل لعبد ولا حر
    عدولي عنتعداد فضلك لائقيكللساني عنه في النظم والشعر

    إلى أن يقول:

    ومن عادةالعرب الكرام بوفدهمإعادتهبالخير والحبر والوفر
    فحقق رجائيسيدي في زيارتيبنيل منايوالشفاعة في حشري

  3. هذا العضو قال شكراً لك يا یا اباصالح المهدی ادرکنی على المشاركة الرائعة:


المواضيع المتشابهه

  1. يوم القدس العالمي... يوم مواجهة المستكبرين
    بواسطة 90230101310 في المنتدى المناسبات
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17-08-2012, 06:47 PM
  2. تمدید مهلة التسجیل فی الألمبیاد الدولی للقرآن و الحدیث - الخاصة لطلاب جامعة المصطفی
    بواسطة النجاح فی القرآن ولاغیره في المنتدى الالمبياد الدولي للقرآن والحديث
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 02-11-2011, 02:22 PM
  3. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 27-02-2011, 04:14 PM
  4. كسوة الكعبة .. إبداع بلا حدود في ۹ تشرين الثاني
    بواسطة الاجئ الي القرآن في المنتدى کتاب القرآن
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-11-2010, 05:39 AM
  5. مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 18-09-2010, 05:00 PM

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •