يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ (البقرة ١٢٥)

قال ابن عبّاس: لمّا أتى إبراهيم (ع) بإسماعيل (ع) وهاجر فوضعهما بمكّة وأتت على ذلك مدّة ونزلها الجرهميّون وتزوّج إسماعيل امرأة منهم وماتت هاجر واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم عليه السلام وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت اسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك, قالت ليس هنا ذهب يتصيّد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثمّ يرجع, فقال لها إبراهيم هل عندك ضيافة قالت ليس عندي شيء وما عندي أحد فقال لها إبراهيم عليه السلام إذا جاء زوجك فأقرئيه السّلام وقولي له فليغيّر عتبة بابه وذهب إبراهيم (ع), فجاء إسماعيل (ع) فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفّة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لي أقرئي زوجك السّلام وقولي له فليغيّر عتبة بابه فطلّقها وتزوّج أخرى.

ولبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثمّ استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل فجاء إبراهيم حتّى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيّد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله, قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذٍ بخبز أو بُرٍّ أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله بُرّاً وسعيراً وتمراً, فقالت له انزل حتّى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثره فغسلت شقّ رأسه الأيمن ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فغسلت شقّ رأسه الأيسر فبقي أثر قدمه عليه فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك, فلمّا جاء اسماعيل (ع) وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخٌ أحسن النّاس وجهاً وأطيبهم ريحاً فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام فقال إسماعيل لها ذاك إبراهيم (ع).

وقد روى هذه القصّة بعينها علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان عن الصّادق (ع) وإن اختلف بعض ألفاظه وقال في آخرها أذا جاء زوجك فقولي جاء هاهنا شيخ وهو يوصيك بعتبة بابك خيراً قال فأكبّ إسماعيل على المقام يبكي ويقبّله.

وفي المقام دلالة ظاهرة على نبوّة إبراهيم عليه السلام فإنّ الله جعل الحجر تحت قدميه كالطّين حتّى دخلت قدمه فيه وكان في ذلك معجزة له, وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال نزلت ثلاثة أحجار من الجنّة مقام إبراهيم وحجر بني إسرائيل والحجر الأسود استودعه الله إبراهيم (ع) حجراً أبيض وكان أشدّ بياضاً من القراطيس فاسودّ من خطايا بني آدم.

تفسير مجمع البيان/ دار المعرفة (لبنان)/ ج١/ ص٣۸٣