كن تراباً


إن الجسم كالقفص وقد اصبح بخداع الداخلين والخارجين (المخالطون للمرء ) شوكة تخز الروح
فهذا يقول له : إنني سأكون صفيّك وذلك يقول له : لا بل أنا شريكك
وهذا يقول له : ليس لك نظير في الوجود سواء في الجمال أو الفضل أو الإحسان أو الجود !
وذاك يقول له : إنك صاحب العالمين وكل أرواحنا عيّال على روحك !
فحين يرى الخلق سكارى ذاته يفقد من الكِبْر سلطانه على نفسه وهو لا يدري أن الشيطان قد أوقع آلافاً مثله وقادهم إلى الهلاك
إن ملق الدنيا ونفاقها لقمة سائغة المذاق ولكنها مليئة بالنار فأقلل من تناولها ونارها مختفية ولكن مذاقها واضح
ولا يقل أحد متى كنت أبتلع هذا المديح ؟
فلو أن مادحك هجاك أمام الملأ فإن قلبك يحترق اياماً بلهيب هذا الهجاء وهذا يبقى في نفسك ولا أحد يشك في هذا
وما يحصل من تأثير الهجاء على الروح يحصل أيضاً معك في المديح لكن لا يظهر لأنه حلو ولكن الهجاء يظهر لك قبيحاً لأنه مرّ المذاق
فمن كثرة المدح أصبح فرعون طاغياً
فكن سمح النفس لين الجانب ولا تتجبّر
وإلا فإنه حين لا يبقى لك جاه ولا جمال ولا سلطان يقع منك الملال في نفوس الكثير من خلانك
فهذه الجماعة التي كانت تمدحك وتتملقك تقول لك الآن حين رؤيتك : إنك شيطان
فمتى يكتسي بخضرة من الربيع حجر صلد ؟
ألا فلتكن تراباً حتى تنبت الورود في قلبك وروحك مختلفة الألوان
لقد ظللت السنين الطوال حجراً يجرح القلوب فجرب لحظة واحدة أن تكون تراباً
منقول بتصرف من المثنوي
كفعمي العاملي