بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ(التوبة:75-78).

قصة الآية
إن ثعلبة بن حاطب وهو من الأنصار قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ولكن ثعلبة أصر على النبي في أن يدعو له وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهداً قال فيه: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقّه. فدعا له: اللهم ارزقه مالاً، اللهم ارزق ثعلبة مالاً.

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة، فتنحى عن المنزل فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في الجماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت فكثرت حتى ترك الصلوات الا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، وطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة يسألهم عن الاخبار، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقال: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، وأخبروه بأمره فقال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، قال: وانزل الله تبارك وتعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وانزل الله عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلين على الصدقة، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة، وأمرهما ان يخرجا فيأخذا الصدقة، وقال لهما مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى اتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرأه كتاب رسول الله فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذه؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا الي.

فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه فقال: ما هذا إلا اخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة ما فعل ثعلبة؟ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فانزل الله فيه الآية المذكورة وعند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فانطلق حتى اتى ثعلبة فقال: قد انزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إنَّ الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثو على رأسه التراب، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقبل منه شيئاً.

والذي يظهر من سبب النزول المذكور ومن مضمون الآيات أن هذا الشخص لم يكن من المنافقين في بداية الأمر، لكنه لهذه الأعمال سار في ركابهم1.

الدروس المستفادة من القصة
1- الابتلاء يكون في الغنى كما يكون في الفقر

يظن الكثير من الناس أن الابتلاء لا يكون إلا بالمشقات والفقر، مع أن القرآن الكريم نصّ على أن الابتلاء كما يكون بالشر قد يكون بالخير ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً(الانبياء:35).

فالله عز وجل واختباراً منه لهذا الإنسان كما يختبره في الشدائد والمكاره يختبره بالرخاء والنعم، لينظر إلى أن هذا الإنسان هل يبقى عارفاً بالله عز وجل وفضله أو يصل إلى الإنكار وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير هذه الآية:﴿نَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً...: فالخير الصحة والغنى، والشر المرض والفقر، ابتلاءً واختباراً2.

ومن هنا ينبغي على أهل الغنى أن يعيشوا الحذر دائماً من الغفلة عن الله وقد ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيت ربك يوالي عليك البلاء فاشكره، إذا رأيت ربك يتابع عليك النعم فاحذره3.

وهذه النعم تبدأ بالازدياد كلما ابتدأ الإنسان بالابتعاد عن الله عز وجل شيئاً فشيئاً، وهذا ما نشهده في قصة ثعلبة فإذا به يتخلّف عن حضور صلاة الجماعة، فزاد رزقه، فإذا به يتخلّف عن صلاة الجمعة وهكذا. وقد ورد في الرواية بيان هذه الحالة فعن الإمام الصادق عليه السلام: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيراًً فأذنب ذنباً تبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد الله عز وجل بعبد شرا فأذنب ذنبا تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى به، وهو قول الله عز وجل:﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(الاعراف:182) بالنعم عند المعاصي4.

2- الإيمان المستعار
فالإنسان قد يكون عارفاً بحق الله عز وجل مؤدياً له أيام الشدة والمحنة ولكنه في أيام الرخاء والدعة ينسى الله ويقصّر في حق الله عز وجل وهذا معنى كون الرخاء من البلاء وقد ورد في رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام: في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال، والأيام توضح لك السراًئر الكامنة5.

وقد يعيش الإنسان حالة من الإيمان ولكنه لفقره لم يُبتل بالتكاليف ولكن إيمانه الحقيقي يظهر عندما يمتلك المال وتأتي التكاليف الإلهية تأمره ببذل المال فيكتشف أن إيمانه مجرد لقلقة لسان وأنه إيمان مستعار غير حقيقي، بل الإيمان الحقيقي هو الذي يقترن بالعمل الصالح، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان والعمل أخوان شريكان في قرن، لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه6.

3- مضارّ الطمع بالمال
المال، هو أكبر حبائل إبليس التي يضعها أمام الإنسان ليوقعه في شراكه، ولا مشكلة في أن يطلب الإنسان المال ولا في أن يسعى لاكتسابه، بل حث الإسلام على طلب الرزق والاستغناء عمّا في أيدي الناس، ولكن الفتنة في أن يحرص الإنسان على المال وأن يمتلكه هذا المال بمعنى أن يصبح هو المعيار في القبول والرفض والفرح والسرور فقد ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: لا تفرح بالغناء والرخاء، ولا تغتم بالفقر والبلاء7.

ومن الابتلاءات الإلهية على أصحاب النعم والأموال هي التكاليف التي أمرهم الله عز وجل من خلالها بإخراج شيء من أموالهم مما يعرف بالحقوق، من خمس وزكاة وصدقة وقد ورد وصف هذه التكاليف بالابتلاءات في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: ما بلى الله العباد بشيء أشدّ عليهم من إخراج الدرهم8.

وهذا ما ابتلى الله به ثعلبة بن حاطب الأنصاري، فقد جاءه الأمر بإخراج حق الله من ماله ولكن طمعه بالمال أدّى به إلى أن يرفض الأداء بل يعتبر ذلك نوعاً من الفرض بالقوة ونوعاً من المذلّة والانتقام. وهذا ما قد نجد له مصاديق في زماننا من يتمسك بالحجج الواهية لرفض إخراج ما فرض الله عز وجل عليه في ماله.

4- الآثار التكوينية للمعصية
تتحدث الآيات الكريمة عن بعض الآثار التكوينية التي تترتب على التخلّف عن أداء التكاليف ومن هذه الآثار هو ما عبّرت عنه الآية الكريمة بالنفاق إلى يوم القيامة.

إن العلاقة بين الكثير من الذنوب والصفات السيئة، بل وحتى بين الكفر والنفاق، هي نسبة وعلاقة العلة والمعلول، لأن الجملة الآنفة الذكر تبين وتقول بصراحة: إن سبب النفاق الذي نبت في قلوبهم وحرفهم عن الجادة هو بخلهم ونقضهم لعهودهم، وكذلك الذنوب والمخالفات الأخرى التي ارتكبوها، ولهذا فإننا نقرأ إن الكبائر في بعض الأحيان تكون سبباًً في أن يموت الإنسان وهو غير مؤمن، إذ ينسلخ منه روح الإيمان بسببها9.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم10...

بل إن بقاء النعمة واستمرارها يتوقف على الطاعة وعدم معصية الله فقد ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام أنه كان يقول: إن الله قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة11.

ونقرأ في دعاء كميل: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس النعم".

للمطالعة
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل فرض الزكاة كما فرض الصلاة ولو أن رجلاً حمل الزكاة فأعطاها علانيةً لم يكن عليه في ذلك عيب وذلك أن الله عز وجل فرض في أموال الأغنياء للفقراء مما يكتفون به ولو علم أن الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم وإنما يؤتي الفقراء فيما أوتوا من منع من منعهم حقوقهم لا من الفريضة.

وعن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله أن علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء لأن الله تعالى كلف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة من البلوى كما قال عز وجل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾(آل عمران:186) في أموالكم إخراج الزكاة وفي أنفسكم توطين النفس على الصبر مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله عز وجل والطمع في الزيادة مع ما فيه من الزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحث لهم على المساواة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين وهي عظة لأهل الغنى عبرةً لهم ليستدلوا على فقر الآخرة بهم ومالهم من الحث في ذلك على الشكر لله تبارك وتعالى لما خولهم وأعطاهم والدعاء والتضرع والخوف أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف12.

*منازل الآيات، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، نيسان2009، ص31-37.

1- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 6 ص 133، بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 22 ص 40.
2- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 81 ص 209.
3- غرر الحكم: 4083.
4- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 64 ص 229.
5- بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج 77 ص 286.
6- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 66 ص 66.
7- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 1 ص 302.
8- وسائل الشيعة (آل البيت) الحر العاملي ج 9 ص 19.
9- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 6 ص 135.
10- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 272.
11- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 273.
12- علل الشرائع الشيخ الصدوق ج 2 ص 369.