هل أنّ القرآن الكريم ما كان ينزل منه شيء إلّا إجابة عن سؤال يرفع إلى الرّسول صلّى الله عليه وآله أو تحديداً لموقف يجدّ عند المسلمين, أو حكماً لواقعة حدثت؟ أم أنّ القرآن كان ينزل ابتداءً دون داعٍ سابق؟ أم منه ما نزل ابتداءً ومنه ما نزل لسبب فكان نزوله بناءً على ذلك السّبب؟

وقبل بيان هذه الأمور لا بدّ من معرفة سبب النّزول:

سبب النّزول:

هو ما نزلت من أجله آية أو أكثر مجيبة عنه أو حاكية له أو مبيّنة حكمه. ومن الأمثلة على أسباب النّزول:

1_ مسجد ضُرار:

شيّد بنو عمرو بن عوف مسجد (قباء) وطلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يصلّي فيه, فصلّى فحسدهم جماعة من المنافقين. فقالوا نبني مسجداً آخر فنصلّي فيه ولا نحضر جماعة محمّد فأنزل الله تعالى:﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (سورة التوبة 108). فصار بناء مسجد ضرار سبباً من أسباب النّزول.

2_ إطعام المسكين واليتيم والأسير:

مرض الحسنان عليهما السّلام فنذر الإمام علي عليه السّلام صوم ثلاثة أيّام لله تعالى عند شفائهما, فشفيا فصام الإمام والسيّدة فاطمة الزهراء عليهما السّلام وجاريتهم فضّة (1). وكانوا إذا أرادوا الإفطار جاءهم في اليوم الأوّل مسكين واليوم الثّاني يتيم واليوم الثّالث أسير, وكانوا يعطونهم إفطارهم ويفطرون على الماء وحده في كلّ ليلة, فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (سورة الإنسان ۸).

3_ التصدّق بالخاتم:

سأل سائل صدقةً في المسجد, وكان الإمام علي عليه السّلام راكعاً, فأومأ إليه بخنصره فأخذ منها خاتمه, فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (سورة المائدة ٥٥).

4_ تواضع رسول الله صلّى الله عليه وآله:

عن سلمان الفارسي قال جاءت المؤلّفة قلوبهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله إنّك لو جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء وأرواح جبابهم _ يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين, وكانت عليهم جباب الصّوف لم يكن عليهم غيرها_ جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك, فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا* وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(سورة الكهف 27_28).

فقام النبيّ (ص) يلتمسهم حتّى إذا أصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون الله تعالى قال: (الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجالٍ من أمّتي, معكم المحيا ومعكم الممات) (2).

هذه الأمثلة عن أسباب النّزول توضّح لنا أنّها ليست على نمط واحد وإنّما قد تكون مدحاً أو إطراءً لموقف أو حلّاً لمشكلة أو جواباً لسؤال أو تعقيباً على حادث أو بياناً لحكم أو نحو ذلك حسب الاقتضاء.

ويلاحظ من تعريف سبب النّزول والأمثلة التي ذكرت عليه أنّ الآيات القرآنيّة أو السّور يمكن أن تصنّف بوجه عام إلى قسمين:

القسم الأوّل:

ما نزل لسبب وكان هذا السبب هو المثير والدّاعي للنزول ولا شكّ أنّه كان معاصراً للوحي, وهذا القسم من القرآن هو ما تتحدّث عنه كتب التفاسير في أسباب النّزول.

القسم الثّاني:

ما نزل ابتداءً دون واقعة وقعت أو أمر حدث في عصر الوحي اقتضى نزول الوحي بشأنه ولأجله, وهذا القسم يشمل أحداث الأمم الماضية التي يسردها القرآن للتوعية والتدبّر والاعتبار, كما يشمل الأنباء الغيبيّة وتصوير البرزخ ومشاهد البعث والنّشور وأحوال يوم القيامة وأهل الجنّة والنّار وأوصاف الجنّة وأوصاف النّار وقصّة بناء الكعبة ونحو ذلك.

ومن الواضح أنّ قصص الأمم الغابرة ونحوها وقعت قبل عصر الوحي, ونزول الوحي عنها لغرض إعلام الرّسول والمؤمنين بوقائع تلك القصص وأحداثها ونتائجها وما عليه أهل الجنّة من نعيم وما عليه أهل النّار من شقاء وعذاب وهكذا . . . ومع ذلك فقد يرفع سؤال من الصّحابة أو غيرهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله عن قصّة (ذي القرنين) مثلاً وما جرى له ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ (سورة الكهف 83). فإنّ هذا السّؤال يعدّ سبباً لسرد أحداث القصّة على الرّسول صلّى الله عليه وآله وإطلاع النّاس عليها ولا يعدّ مثيراً لأحداثها لأنّها قد سبقته بقرون.

منقول من كتاب موجز علوم القرآن للدكتور داود العطّار
(1) النّسفي: تفسير النّسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) ج4/318

(2) الواحدي: أسباب النزول ص201