إنّ للوقوف على سبب النّزول أهميّة كبيرة في التعرّف على مدلول الآية ومفهومها ووجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم إذ كما قيل (العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب). ولا شكّ أنّ صياغة الآية وطريقة التّعبير عنها يتأثّر إلى حدّ كبير بسبب نزولها. فالاستفهام مثلاً لفظ واحد ولكنّه يخرج إلى معانٍ أخرى كالتقرير والنّفي وغيره ولا يفهم المراد إلّا بالأمور الخارجيّة والقرائن الحاليّة.

وأكثر المفسّرين قدرة على إتقان التفسير وتحقيقه أكثرهم علماً بأسباب النّزول, ولهذا كان أمير المؤمنين الإمام علي عليه السّلام أقدر النّاس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله على تفسير القرآن لإحاطته علماً بأسباب النّزول, وهو القائل: (والله لم تنزل آية إلّا وأنا أعلم فيما نزلت, وفيمن نزلت, وأين نزلت).

وروى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطّفيل قال شهدت عليّاً يخطب يقول: سلوني, فوالله لا تسألون عن شيء إلّا أخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. (1)

إنّ لمعرفة الزمان والمكان والأشخاص وسائر ظروف الآية أو السّورة أكبر تأثير على سبر غورها وإماطة اللثام عن مكنون مرادها. والعكس بالعكس, فالجهل بتلك الأمور يؤدّي إلى تعطيلها ولربّما العمل بخلاف مؤدّاها ومرامها.

وفيما يلي الأمثلة لبيان أهميّة معرفة سبب النّزول:

1_ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة 115).

والمتبادر من مدلول ألفاظ الآية ومن ظاهر سياقها أنّ المصلّي له أن يصلّي إلى أيّة جهة كانت في السّفر والحضر, فللّه المشارق والمغارب فأينما يولّي المصلّي وجهه فقد توجّه إلى الله تعالى, وهذا خلاف الإجماع وهو يتعارض مع قوله تعالى: ﴿..... فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ....﴾(سورة البقرة 144).

وبالتعرّف على سبب النّزول يتّضح أنّها نزلت في صلاة التطوّع وعلى الرّاحلة تصلّيها حيثما توجّهت إذا كنت في سفر. وأمّا الفرائض فحسب قوله تعالى: ﴿.... وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .....﴾(سورة البقرة 150). يعني أنّ الفرائض لا تصلّوها إلّا إلى القبلة. (2)

2_ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (سورة المائدة 93).

فقد حكي أنّ البعض كان يقول إنّ الخمرة مباحة ويحتجّ بالآية لجهله سبب نزولها. (3)

والقصّة أنّه لمّا نزل تحريم الخمرة وأنّها رجس من عمل الشيطان, قال بعض المسلمين كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها, فنزلت هذه الآية. (4)

3_ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا .... (سورة البقرة 158)

فظاهر الآية هو رفع الإثم ونفي الحرمة عمّن يسعى بين الصّفا والمروة وأنّ السعي سائغ وليس فيه حرمة, وليس في ظاهر ألفاظ الآية ما يفيد وجوب السعي. وهذا فهم من لم يقف على سبب نزولها.

والقصّة أنّ بعض الصّحابة تأثّموا (5) من السعي بين الصّفا والمروة لأنّه من عمل الجاهليّة, فنزلت الآية لنفي هذه الفكرة من جهة ولإعلان أنّ الصفا والمروة من شعائر الله من جهة أخرى. فمن يجهل سبب نزولها يجهل الغرض من طريقة التعبير الذي جاءت به الآية, وبالتالي فإنّه سيجهل وجوب السعي بين الصّفا والمروة, ويعتبره أمراً سائغاً لمن أراده.

قال ابن عبّاس: (كراهية المؤمنين للطواف بين الصفا والمروة من قبل الصّنمين اللذين كانا عليهما فقال _تعالى_ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ يقول الطّواف بين الصفا والمروة ﴿مِن شَعَآئِرِ اللّهِ ممّا أمر الله تعالى به من مناسك الحجّ).

ومن هذه الأمثلة يمكن تلخيص أهميّة معرفة سبب النّزول بالأمور التّالية:
1_ معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
2_ الوقوف على المعنى المراد.
3_ معرفة ما إذا كان اللفظ عامّاً ويقوم الدّليل على التخصيص.

منقول من كتاب موجز علوم القرآن للدكتور داود العطّار
(1) السيوطي: الإتقان ج1/187
(2) الطبرسي: مجمع البيان ج1/191
(3) الزركشي: البرهان ج1/28. السيوطي: الإتقان ج1/229
(4) الواحدي: أسباب النّزول ص140_141
(5) ابن كثير: التفسير ج1/199. وقيل لوجود (أساف) على الصفا و(نائلة) على المروة وهما صنمان كانا في الجاهليّة.