بقلم السيد سامي خضرا نقلاً عن مجلّة بقيّة الله العدد 233

من القربات العظيمة في الإسلام الإصلاح بين الناس... حيث نرى في محيطنا أنَّ خلافاً قد يقع بين الصديقين أو الرفيقين فيتباعدان. وقد تطول المدة أو تقصر تبعاً للظروف، ولطبيعة الخلاف وأهميته وحساسيته...‏
من هنا فإنَّ من آداب السلوك في الإسلام، التي دعا إليها التنزيل المبين، والسُّنَّةُ الشريفة، السعي للإصلاح بين المتخاصمين، ليأتلفا ويتفقا ويتكاتفا، فيكونا عضداً للإسلام وسنداً لا عقبةً أو سدّاً في وجه نشره وانتشاره.‏
قال الله جل جلاله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات: 10)


إصلاح يحبه الله تعالى‏

فإذا سمعنا عن خلاف وقع بين أخوين أو جارين أو صديقين أو زوجين أو شريكين أو وريثين لا بُدَّ من السعي لإزالة الخلاف بينهما أو على الأقل لتضييق شُقة الخلاف، ولمنع أيِّ مبادرة خبيثةٍ لزيادة التباعد تمهيداً لجمعهما على الجادة القويمة والصراط المستقيم, عملاً بقول الله عزَّ وجلَّ: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً} (النساء: 115)، وقولِه جلَّ جلاله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا... } (النساء: 85).‏

وفي حديث عن سيدنا رسول الله (ص): «يا أبا أيوب, ألا أدلّك على صدقة يرضى الله ورسوله موضعها؟ تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرّب بينهم إذا تباعدوا» (1).‏

وعن حبيب الأحول قال: «سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: صدقة يحبها الله: إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا» (2).‏

وعن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) قال: «لئن أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدق بدينارين»(3).‏

الخسارة نتيجة التفرقة‏

فيا أخي المؤمن: أنت تعرف من خلال تاريخ الملوك والأُمم، ومن ماضي الشعوب والأمراء، أنَّ التعاضد هو الذي يُقيم دولةً، وأنَّ الخلافَ هو بدايةُ النهاية لأقوى الحكومات والمجتمعات, فكم من مملكة أو دولةٍ أو حكومة أو جمعيةٍ أو حزب، وبسبب خلافاتها الداخلية، كثرت فيها الإشاعات، والافتراءات وأدَّى ذلك إلى انهيارها، أو ضعفها وتفككها؟ ولنا في التاريخ عشراتُ الشواهد والشهادات.‏

قال رسول الله (ص): «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة (4)» (5).‏

وحذراً من ذلك أكّد الإسلام على إصلاح ذاتِ البينِ بين الإخوة، وجعل ذلك من علامات التقوى، كما في قول الله تقدّس اسمُه: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال: 1)، وقوله تبارك وتقدَّس: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10) لأنَّ في الإصلاح والتقارب رحمةً للعالمين.‏

رُوي عن الرسول (ص): «ما عمل امرؤ عملاً بعد إقامة الفرائض خيراً من إصلاحٍ بين الناس، يقول خيراً، ويتمنى خيراً» (6).‏

وفي الحديث المروي عنه (ص): «إصلاحُ ذاتِ البين أفضلُ من عامة الصلاة والصوم» (7).‏

وذكر الفقهاء، (رضوان الله عليهم)، جوازَ الإنفاق من بعض الأموال الشرعية، للإصلاح بين المسلمين، صيانةً لأرواحهم، وأعراضهم، ودمائهم، وناموسهم ودفعاً لنار الفتنة التي هي أشدّ من القتل. وفي هذا المجال، ذكر السيِّد اليزدي (عليه الرحمة) جوازَ إعطاء الزكاة «لدفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين» (8).‏

ورُوي عن مولانا الصادق (ع) قوله: «إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعةً فافتدها من مالي» (9).‏

نهج الإمام الصادق (ع)‏

عن سعيد بن بيان قال: «مر بنا المفضَّل وأنا وختني (الختن: زوج بنت الرجل أو زوج أخته ) نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة (لاستعلام سبب التـنازع) ثم قال لنا: تعالوا (تعاليا) إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه، قال: أما إنها ليست من مالي ولكن أبو عبد الله (ع) أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله(ع) )(10).‏

*****‏
الهوامش:‏
(1) كنز العمال، المتقي الهندي، ج 3، ص 59.‏
(2) الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 209.‏
(3) م. ن.‏
(4) الحالقة: قطيعة الرحم والتظالُم، والقول السّيئ.‏
(5) ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 2، ص 1622.‏
(6) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 522.‏
(7) م. ن.‏
(8) العروة الوثقى، السيد محمد اليزدي، ج4، ص 121.‏
(9) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 18، ص 440.‏
(10) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج 6، ص 312.